ليس اليتم دائمًا غياب الأب أو الأم، فقد يعيش الطفل بين والديه، لكنه يفتقد قربهما واهتمامهما. يجلس معهما على مائدة واحدة، ولا يجد عينًا تلتفت إليه، ولا أذنًا تنصت إلى حكايته، ولا قلبًا يشاركه ما يشعر به. أهله حوله، لكن الوحدة قد تسكنه.
أجساد حاضرة وقلوب منشغلةفي المطاعم والأماكن العامة، يتكرر مشهد قد لا يلتفت إليه كثيرون: أب منشغل بهاتفه، وأم تتابع شاشتها، وطفل صغير يحاول جذب انتباههما. يحرك يده، أو يطرح سؤالًا، أو يرفع صوته قليلًا، ثم يعيد المحاولة مرة بعد مرة، حتى يخفت صوته ويستسلم للصمت.
يمد الطفل يده إلى جهازه الصغير، فيجد فيه وسيلة للتسلية. وفي تلك اللحظة، قد يفوته الحديث مع والديه، ويتعود تدريجيًا على قضاء وقته منفردًا رغم وجوده بين أفراد أسرته.
فالطفل لا يقيس حب والديه بما يحصل عليه من طعام ولباس وهدايا فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى نظرة حانية، وأذن تصغي إليه، ووقت يشعره بأن حديثه مهم ومشاعره محل اهتمام.
والشاشات لا تؤثر في التواصل الأسري وحدها، لكن المسافة قد تتسع حين تستحوذ على جلسات الأسرة ويقل الحديث بين أفرادها. عندها لا تضيع دقائق عابرة فحسب، بل قد تفوت حكاية قبل النوم، وسؤال عن يوم طويل، وضحكة صغيرة كان يمكن أن تبقى في ذاكرة الأبناء سنوات.
طفولة تمضي ولا تنتظرقد نظن أن هذه اللحظات عابرة، ثم ندرك لاحقًا أنها تسهم في تشكيل علاقتنا بأبنائنا. فقد يمتلئ البيت بأهله، وتظل فيه مسافة لا تردمها الهدايا ولا يعوضها اقتناء الأجهزة.
والطفولة لا تنتظر حتى ننتهي من رسائلنا، ولا تعود حين نلتفت إليها متأخرين. إنها تمضي بخطوات صغيرة، ثم يكبر الأبناء وتتغير اهتماماتهم، وقد يبقى في الذاكرة مقعد كان يجمعنا، وحكاية لم نستمع إليها، ونداء لم يجد من يصغي إليه.
حين ندرك قيمة الوقت
من المهم أن يجد الطفل الاهتمام والإنصات داخل أسرته، وأن يشعر بأن وجوده وحديثه يحظيان بالتقدير. فالمشاركة لا تحتاج إلى ساعات طويلة دائمًا، بل قد تبدأ بنظرة محبة، أو حديث قصير، أو سؤال صادق عن يومه، أو لحظات تخصصها الأسرة للجلوس معًا بعيدًا عن الشاشات.
فلنجعل موائدنا مساحة للحوار والتقارب، ولنمنح أبناءنا من وقتنا ما يعزز شعورهم بالاهتمام والانتماء. فالأجهزة يمكن أن تنتظر، أما لحظات الطفولة فتمضي، وتبقى الذكريات الجميلة ثمرة أوقات عشناها معًا.
@alsyfean