أروى المزاحم


نستيقظ أحيانًا على خبرٍ سعيد يغيّر مزاج يومنا بالكامل، ثم يأتي يوم آخر بخبرٍ يغيّر مسار حياتنا، ثم نخطط، ثم تعيد الحياة ترتيب المشهد بطريقتها الخاصة. نظن أننا وصلنا إلى ما نريد، فتأتينا منعطفات لم تكن في الحسبان، ونظن أننا خسرنا كل شيء، ثم نكتشف بعد وقت أن بعض الخسارات كانت بدايةً لنجاة لم نفهمها حينها. فحال الحياة متقلب، حتى المحيط الهادئ الذي ارتبط اسمه في أذهاننا بالسكينة والاستقرار، يمكن أن يكشف لنا من حين إلى آخر أن الهدوء ليس حالة دائمة، وأن خلف السطح الهادئ حركةً وتغيرًا لا نراها دائمًا. وهكذا هي الحياة أيضًا؛ ليست هادئة على الدوام، ولا تمنحنا وجهًا واحدًا كي نطمئن إليه، ولا تمضي معنا على إيقاع ثابت، فهي مرةً تفتح لنا أبوابها على اتساع الفرح، ومرةً تضيق بنا حتى نظن أن الطريق قد انتهى.
تقلّبات الحياة ليست دائمًا عقابًا، كما أن استقرارها ليس دائمًا مكافأة. الحياة متقلبة بطبيعتها، وما يحمينا من تقلّباتها ليس أن نمتلك السيطرة عليها، بل أن نمتلك القدرة على التكيّف معها دون أن نفقد أنفسنا. فكم من مرحلة ظنناها قاسية، ثم اكتشفنا أنها كانت تصنع فينا شيئًا لم نكن نملكه، وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا، وقد كان في إغلاقه حمايةً من طريقٍ لم يكن يشبهنا، وكم من تأخيرٍ أزعجنا، كان يحمل في داخله توقيتًا أكثر رحمةً مما كنا نعرف.
المشكلة أننا نريد من الحياة أن تكون مفهومة طوال الوقت، نريد أن نعرف لماذا حدث الأمر الآن، ولماذا رحل هذا الشخص، ولماذا تأخر ذلك الحلم، ولماذا تبدلت الأشياء فجأة. لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا تفسيرًا فوريًا، فبعض الإجابات لا تأتي إلا بعد أن نعبر المرحلة. ولهذا ربما يكون النضج الحقيقي هو أن نتعلم ألا نبالغ في الفرح حين تزهر أيامنا، وألا نبالغ في اليأس حين تتعثر الظروف، وأن نعرف أن لا شيء يدوم على حاله؛ لا الحزن، ولا الفرح، ولا الخسارة، ولا حتى الفوز الذي نظنه نهاية الطريق سيبقى للأبد.
وفي النهاية، لعل أجمل ما في الحياة أنها لا تبقى على حال، وليس مطلوبًا منا أن نفهم كل ما يحدث لنا، بل أن نثق بأننا قادرون على عبور ما يحدث.
ومضة:
تحديات الحياة تكشف مدى قدرة الإنسان على الصمود، وتجعل للحظات الفرح طعمًا أعظم وأجمل.
@al_muzahem