كان رجلاً لا يملك من المال ما يجعله في عداد الأثرياء، لكنه كان يملك شيئاً أثمن: نفساً سخية.
كلما علم بحاجة قريب، أو ضيق صديق، أو أسرة تمر بظرف، مدّ يده بما يستطيع، حتى قال له أحد أصحابه يوماً: أنت تعطي كثيراً، ألا تخشى أن تحتاج؟
ابتسم وقال: أخشى أن أحتاج يوماً فلا أجد عند الله شيئاً مما قدمت!
مرت السنوات، وتبدلت الأحوال، ومر الرجل نفسه بظرف صعب لم يكن يتوقعه، والغريب أنه لم يطلب من أحد شيئاً، لكن الناس تسابقوا إليه؛ هذا يعرض ماله، وذاك يقضي حاجته، وثالث يقول: وقفت معنا في يوم، واليوم يومنا.
حينها أدرك صاحبه أن بعض الأموال حين تخرج من الحساب، لا تنقصه!
نحن ننظر أحياناً إلى العطاء بلغة الأرقام، دفعت كذا، إذن نقص رصيدي كذا، بينما للعطاء حسابات أخرى لا تظهر في تطبيقات البنوك.
هناك حساب في قلوب الناس، وحساب في دعوات المحتاجين، وحساب في البركة، وفوق ذلك كله حساب لا تضيع عنده مثقال ذرة.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾.
ولذلك تجد أهل العطاء غالباً أغنى الناس، وإن لم يكونوا أكثرهم مالاً؛ أغنياء بالمحبة، والذكر الحسن، والدعوات التي تصعد لهم وهم لا يعلمون، وبأبواب من الخير تُفتح لهم من حيث لا يحتسبون.
والعطاء ليس مالاً فقط.
قد تعطي وقتاً، أو جاهاً، أو كلمة، أو معرفة، أو موقفاً، أو شفاعة حسنة، وقد يكون أعظم عطائك أن تقف بجوار إنسان في لحظة تخلى عنه فيها الآخرون.
والجميل في العطاء أن أثره لا ينتهي بانتهاء الموقف؛ فكم من إنسان نسي ما أعطى، لكن من أُعطي لم ينسَ، وكم من معروف صغير في عين صاحبه صنع أثراً كبيراً في حياة إنسان آخر.
لا تحسب كل ما يخرج من يدك خسارة؛ فبعض ما يخرج منها يعود إليك أضعافاً، ولكن بصورة أخرى وفي وقت آخر.
أهل العطاء لا تنقص حساباتهم بما بذلوا، فما خرج من أيديهم عاد إليهم أجراً، ومحبةً، وبركةً، وأثراً لا ينقطع.
aldabaan@hotmail.com