عبدالرزاق العلي


تتكشف حقيقة أي إدارة في لحظات التحديات حين تضيق الموارد وتتسارع الأحداث وتتغير الخطط المعتادة، فيظهر المدير على حقيقته، إما إدارياً يستند إليه الفريق أو عبئاً إضافياً على أعبائهم.
فكثير من المديرين قد يلجأ عند أول اهتزاز إلى أسهل الطرق، وهو البحث عن طرف لتحميله المسؤولية، حيث تتحول الاجتماعات إلى نقاشات حادة تتوزع فيها الملاحظات على الموظفين بوصفهم المقصرين، وتُستحضر أخطاء صغيرة قديمة لتفسير مشكلة كبيرة حاضرة. وقد يكون المدير نفسه قد تجاهل بعض التحذيرات المبكرة أو لم يمنح التقارير المرفوعة إليه الاهتمام الكافي، أو احتكر القرار بما حدّ من قدرة فريقه على المبادرة، ثم يجد نفسه أمام حاجة ملحّة إلى تضافر جهود الفريق لمعالجة الوضع.
والتحديات الداخلية في الغالب قد تكون نتيجة تراكم طويل من ممارسات إدارية لم تحظَ بالتخطيط الكافي للطوارئ، أو ضعف قنوات الاتصال، أو عدم تشجيع من ينقل الملاحظات، حتى تصبح بعض المعلومات المهمة أقل حضوراً في النقاشات الإدارية، مع التركيز على الإنجازات وإغفال بعض المؤشرات التي تستحق المتابعة. لكن عند ظهور المشكلة، فإن تحميل الموظفين المسؤولية كاملة قد لا يكون حلاً مناسباً، لأن من يملك الصلاحية يملك مسؤولية القرار، والقيادة مسؤولية ترتبط بتحمّل تبعات القرارات.
وتبدأ المعالجة باعتراف صريح من المدير بنصيبه من المسؤولية أمام فريقه. هذه الخطوة يمكن أن تغيّر مناخ التحدي، إذ تمنح الموظفين مساحة أكبر للحديث وتحرر طاقتهم للتفكير في الحل بدلاً من الانشغال بتبرير مواقفهم. والموظف الذي يشعر بالقلق من اللوم قد يتردد في مشاركة المعلومة أو المبادرة، وهو ما قد يزيد صعوبة معالجة المشكلة.
وتأتي بعد ذلك الشفافية المنضبطة في المعلومات. إخبار الفريق بحقيقة الوضع المالي أو التشغيلي، وبالخيارات المطروحة، وبالجدول الزمني المتوقع، يمنح الناس شعوراً بالوضوح والثقة. فالغموض قد يفتح المجال للتكهنات، ويدفع بعض الكفاءات إلى البحث عن بدائل قبل استنفاد فرص المعالجة.
أما الثقة، فتبنى بعدالة توزيع المسؤوليات. فحين تفرض إجراءات تنظيمية أو تقشفية، من المهم أن يشعر الموظفون بأن المسؤولية مشتركة، وأن الإدارة تراعي مختلف الأطراف، لأن المدير الذي يطالب موظفيه بالصبر والتفاني، بينما تبقى امتيازاته بعيدة عن أي مراجعة، قد يفقد جزءاً من مصداقيته.
كما يحتاج التعامل مع التحديات إلى إشراك حقيقي للموظفين في صناعة الحلول، فمن يعمل في الخط الأمامي يعرف تفاصيل الخلل التشغيلي أكثر من أي تقرير مكتبي، وفتح باب الاقتراحات مع الالتزام بدراسة الأفكار الجيدة وتطبيق المناسب منها يحوّل الفريق من متلقٍ للقرار إلى شريك فيه. وهذا الإشراك يرفع الالتزام بالتنفيذ، ويخفف مقاومة التغيير، ويكشف حلولاً منخفضة الكلفة ربما لم تكن حاضرة في النقاشات المعتادة.
ويبقى البعد الإنساني مهماً في التعامل مع التحديات، فخلف كل موظف مسؤوليات أسرية والتزامات لا تتوقف، والدقائق التي يقضيها المدير في الاستماع الفردي الصادق قد تحقق أثراً يتجاوز كثيراً من التوجيهات الإدارية.
خلاصة القول: إن الإخلاص في التعامل مع الموظفين وقت التحديات هو من أهم الأدوات الإدارية التي تسهم في تعزيز الثقة، وتوحيد الجهود، والوصول إلى حلول أكثر استدامة.