محمد الحرز

محمد الحرز

إحدى أهم المقولات التي تعكس جزءا من صورة المجتمع الغربي في أذهاننا نحن العرب ليس على مستوى عموم الجمهور, وإنما أيضا على مستوى النخب المثقفة , هي تلك المقولة التي سعت دائما لإقناعنا أن الدين انحسر من المجال العام عندما تعلمن المجتمع الغربي, حيث جرى ربط هذا السبب بنتيجة حتمية وهي تقدم الحضارة الغربية في الماديات بحكم الانجازات التي تحققت على يده من خلال تطور العلوم, إزاء تخلفه في الأخلاقيات والروحانيات بسبب هذا الانحسار الذي ندعيه. وحتى تكتمل الصورة وتتثبت إطارها في أذهاننا كانت تستدعى شواهد تاريخية من قبيل الحروب التي مرت بها أوروبا في القرن العشرين , والعنف الذي صاحب هذه الحروب, ناهيك عن التفسخ الأخلاقي والجنسي الذي تفشى في هذه الحضارة ومجتمعاتها بشهادة كبار مفكريها – ليو شتراوس أو المؤرخ توينبي على سبيل المثال- حيث يكفي مثل هذا الاستدعاء كي نقتنع تمام الاقتناع بمثل هذه المقولة, وأنها هي الحقيقة المطلقة التي لا يماريها الشك في كونها صورة صادقة عن حقيقة المجتمعات الغربية وما وصلت إليه حضارته من انحطاط, رغم المسار المعقد الذي شهده تاريخه في تحولاته من العصور الوسطى إلى العصر الحديث.من المسؤول عن هذه الصورة؟ أو كيف تشكلت في نظام تمثلاتنا للآخر؟ ومتى انحفرت في تصوراتنا تاريخيا؟ ولماذا لم يتم وضعها على مشرح النقد والتفكيك؟ هل الاستعمار وتاريخه في الشرق, وكذلك الخطاب الاستشراقي لهما دور في تثبيت هذه الصورة من خلال ما تركاه من أثر على مجمل الدراسات التي أصلت للعلاقة بين الشرق والغرب, أو بين الدين المسيحي والإسلامي؟أم أن رواد عصر النهضة وما تلاهم من الأجيال اللاحقة من المفكرين العرب على مختلف توجهاتهم, هم المسؤولون عن تشكيل هذه الصورة وانتشارها في الأذهان حتى غدت إحدى المسلمات التي لا تفارق الخطاب العربي حينما يتحدث فيه عن الحضارة الغربية.هنا ينبغي أن أقرر حقيقة جد مهمة تتصل بإشكالية المنهج والنظريات التي تتحكم من العمق في تصوراتنا عن الآخر وليس عن مضامين هذه المناهج والنظريات التي عادت ما تكون مضامين إيديولوجية وذات أحكام معيارية مسبقة.والفرق بينهما هو الفرق الذي يجعلنا لا نقف على مضمون ما تقوله الصورة عن الغرب , بالقدر الذي نتساءل فيه عن الكيفية التي تكونت فيه هذه الصورة وتشكلت , وعن مجمل الظروف التي أفضت إلى تشكلها تاريخيا واجتماعيا وسياسيا.أما عندما نجادل في المضامين التي تحملها مثل هذه المقولات ونحاول تفنيدها بالمنطق ذاته كما رأينا ذلك في مجمل الخطاب العربي في مرحلة التحرر وما بعده من استدعاء الهوية القومية والإسلامية ومفهوم الجماعة والأمة والأصل إلى غيرها من المقولات التي انشغلت بالجدل حول المضامين وليس حول آليات اشتغالها من العمق. فإن هذا الانشغال لا ينتج فكرا نقديا بل إيديولوجيا وهذا ما حدث من جهة , وهذا ما جعل مثل هذه الصورة تتسرب إلى نظام تمثلاتنا عن الآخر وتحتل مساحة فيه من جهة أخرى.وإذا ما افترضنا جدلا أن الصورة تطابق الواقع نكون قد حكمنا على المعرفة وتطورها بالتوقف , وهذا ما لا يقول به المنطق الفكري الحديث الذي أصبح من الأمور البدهية. فالمعرفة تنمو -ولا يهم بأي اتجاه -مع نمو وحركة المجتمعات.فالمعرفة تنتج المفاهيم والتصورات التي بدونها لا يمكن أن نفهم الوقائع والأحداث التي تأتي في مجرى التاريخ , وكل هذا يتم في إطار لغة هي بدورها خاضعة لتحولات تاريخية تطالها من العمق.إذن الصورة التي نحملها في أذهاننا عن الآخر هي نتاج هذه التصورات والمفاهيم التي قرأنا بها الآخر الغربي , وليس الغربي ذاته كما هو في واقعه المعيش.ينبغي التركيز على هذا التمايز لأنه يقلل من عنف الصورة كما يقول ريجيس دوبريه, ويحد من سوء الفهم ويحصره فقط في المنهج والنظرية.وإذا ما عدنا مجددا إلى الصورة ذاتها التي صدرنا بها المقالة فإنها تطرح علينا تساؤلا جريئا يحمل في عمقه الشك والاستفهام: هل حقيقة أن المجتمع الأوروبي هو بعيد كل البعد عن الدين بعد فصل الكنيسة عن الدولة في مسار تشكل علمنة ما بعد الثورة الفرنسية؟ هذا السؤال يحيلنا إلى ما يسميه د. محمد الحداد « السرديات النشوئية التبسيطية» التي اختزلت تاريخ الحداثة الأوروبي من وجهة نظر مصلحي عصر النهضة إلى العصر العربي الحديث, مما أدى في أغلب الأحيان إلى سوء الفهم في علاقة أوروبا بالدين.يقول في كتابه»ديانة الضمير الفردي»: نشأت في ظل التبسيط المفرط سردية نشوئية تضع ثلاث مراحل للحداثة, مرحلة لوثر في القرن السادس عشر ثم مرحلة الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر ثم المرحلة البلشفية في القرن العشرين..أي التقدم تباعا من الإصلاح الديني إلى إقصاء الدين عن الفضاء العام إلى إقصاء الدين عن الوجود. وقد جاء رد الفعل الإسلامي مكتفيا وطبيعة هذا البناء السردي. كان الموقف يميل إلى التفاعل عندما كان يظهر من هذا البناء الدور الأول, ثم أصبح توجسا عندما برز الدور الثاني منه وأخيرا تحول إلى رفض ومعادة عندما اكتمل البناء.» وهنا يتساءل هل تعتبر تلك السردية وفية في تلخيص التاريخ الغربي نفسه فضلا عن صلاحيتها في أن تكون نموذجا أوحد لبلوغ الحداثة؟حيث يخلص إلى نتيجة مفادها أنها مجرد قراءة إيديولوجية وهي بدورها قراءة إيديولوجية لقراءة سابقة عليها.لقد كان الصراع الديني بين البروتستانت والكاثوليك تحول بعد الثورة الفرنسية إلى صراع سياسي بحت. « وإذا كانت العلمانية قد منعت تواصل الحروب الدينية فإنها لم تمنع أن يكون القرن التاسع عشر قرن الحروب التأويلية حول الماضي. وقد بدأ التعرف العربي على واقعة الإصلاح في هذا السياق بالذات». وهذه احدا أسباب تشكلات الصورة عن الغرب وليست كلها كما سنرى لا حقا في مقالة أخرى.Mohmed_z@hotmail.com