أصبحت التقنية متلازمة للحياة المعاصرة، فغدا من الصعب على الإنسان الاستغناء عنها في كثير من شؤونه اليومية، وصار الهاتف الذكي ضرورة لإنجاز العديد من المعاملات والتواصل ومتابعة المستجدات. وفي خضم هذا الواقع، لم تعد الفيديوهات مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت تلاحق المرء عبر منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار، وحتى في التعليم. ومع هذا الانتشار المتسارع للمحتوى المرئي، يبرز سؤال مهم: متى ينتهي هدير الفيديوهات الذي يملأ أوقاتنا ويستحوذ على جانب كبير من اهتمامنا؟
لقد شهدت السنوات الأخيرة نموًا هائلًا في معدلات انتشار المعلومات واستهلاكها، وكذلك في الوقت الذي يقضيه المستخدمون في متابعتها. فبدلًا من قراءة المقالات والكتب أو البحث المطول عن المعلومة، أصبح كثير من المستخدمين يفضلون مشاهدة مقطع قصير يقدم الفكرة خلال دقائق أو ثوانٍ معدودة. وكذلك ساهم انتشار الهواتف الذكية، وسهولة الوصول إلى الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي في جعل إنتاج الفيديو ونشره متاحًا لشريحة واسعة من المستخدمين. بالإضافة إلى ذلك، ظهر الكثير من الأشخاص في برامج البودكاست، يتحدثون في مختلف المجالات والفنون، سواء من المختصين أو غيرهم.
ودعونا نستمع إلى الأرقام أولًا. فبحسب تقرير -Digital 2025- الصادر عن موقع -DataReportal-، يبلغ متوسط الاستخدام العالمي للإنترنت «6 ساعات و38 دقيقة» يوميًا، بينما يتجاوز المعدل المحلي ذلك، إذ نقلت واس «صفر 1448 هـ الموافق 19 يوليو 2026م» عن تقرير «إنترنت السعودية» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، أن 61.3% من المستخدمين في المملكة يقضون «7» ساعات فأكثر يوميًا على الإنترنت. والمتأمل لهذه الأرقام يلاحظ أن هذه الساعات قريبة مما يقضيه الطالب في المدرسة أو الجامعة، فهل أصبح تأثير الإنترنت موازيًا لتأثير التعليم، أم أنه قد يكون أشد وطأة؟!
ولا يمكن إنكار فوائد النهضة الرقمية. فقد أصبحت الفيديوهات أداة فعالة في التعليم والتدريب، ونقل الأخبار والتوعية المجتمعية، كما أتاحت للشركات والمؤسسات والأفراد الوصول إلى جمهور واسع في وقت قصير. وفي المقابل، أدى الاستخدام المفرط للمحتوى المرئي إلى ظهور تحديات جديدة، أبرزها إهدار الوقت، وصعوبة التركيز لفترات طويلة. ويدل على ذلك أن المستخدم قد يبدأ بمشاهدة مقطع واحد، ثم يجد نفسه ينتقل من فيديو إلى آخر دون أن يشعر بمرور الوقت، والذي قد يصل تقريبًا إلى ساعة أو أكثر في غير موضوع محدد. ومع تكرار هذا السلوك يوميًا، قد تتحول المشاهدة من وسيلة للترفيه أو المعرفة إلى عادة في إضاعة الأوقات يصعب التخلص منها! وهذا يذكرني بقول أمير الشعراء أحمد شوقي: «دقّات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني».
ونقطة أخرى أود الإشارة إليها، وهي ظاهرة انتشار «البودكاست»، والتي تذكرني بفكرة انتشار الكافيهات في كل مكان! حيث اتسعت دائرة صناعة المحتوى بشكل مخيف، ولم يعد الحديث مقتصرًا على المختصين والخبراء، بل أصبح الجميع تقريبًا يتحدث ويقدم النصائح والإرشادات والتجارب الشخصية في مختلف المجالات. ومع هذا الهدير والتدفق الهائل من الفيديوهات، صار المتلقي تائهًا بين النصائح المتباينة. وهنا تبرز أهمية التأكد من المعلومات من مصادرها الرسمية والموثوقة.
ولعلي أختصر ما أود قوله في كلمتين، فقد قيل: «إذا ترك العالم كلمة لا أدري، أُصيب في مقتل»، فما بالك بمن هو دونه؟! وكذلك ذكرنا مرارًا: «من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب».
@abdullaghannam