في موروثنا الشعبي عبارات تختصر حكايات طويلة، ومن أطرفها تلك التي تصف محدودية الحيلة وقلة الإنجاز. وقد تجاوزت بعض هذه العبارات معناها الأصلي، لتصبح وصفًا لحالات تتكرر في حياتنا اليومية، حين يتحول التأجيل إلى عادة، والفراغ إلى أسلوب حياة. وليس المجال هنا للحديث عن الأمثال وتفاصيلها، بقدر ما هو تأمل في بعض السلوكيات التي نراها في أشخاص نصادفهم في حياتنا، ممن يؤجلون العمل، ويكثرون من الحديث، بينما تظل خطواتهم نحو الإنجاز محدودة.
ويبدو أن هذه الحالة اليوم لم تعد تحتاج إلى مكان أو عنوان، بل إلى هاتف ذكي وكنبة مريحة واتصال سريع بالإنترنت، وقائمة طويلة من الأشياء التي سيبدأ أصحابها بها غدًا.
دوام كامل في اللاشيء
تخيل أحد هؤلاء في يوم عادي: يستيقظ متأخرًا لأنه مرهق، مع أنه لم يفعل بالأمس ما يستحق التعب. يمسك هاتفه ويتابع أخبار العالم كأنه يدير غرفة عمليات دولية؛ يعرف من سافر وتزوج وانفصل واشترى سيارة، وربما ماذا تناول أحد المشاهير على الإفطار، لكنه لا يعرف ماذا سيفعل بحياته بعد الظهر.
لديه مشروع سيبدأه، ودورة سيلتحق بها، ونادٍ سيشترك فيه، وكتاب سيقرؤه، وفكرة ستغير حياته؛ لكنه ينتظر اللحظة المناسبة، تلك اللحظة التي تنتظره بدورها منذ سنوات. وإذا سألته عن إنجازاته، أجاب بهدوء: «الأمور طيبة، والبداية قريبة»، وكأنه قدم تقريرًا سنويًا معتمدًا.
مستشارون بلا تجارب
ولا يكتفي بعضهم بالفراغ، بل يتفرغ لتقييم الآخرين: هذا مشروعه لن ينجح، وذاك استعجل، وثالث محظوظ أو مدعوم. تستمع إليه فتظنه مستشارًا عالميًا، ثم تكتشف أن أكبر مشروع أداره هو نقل الشاحن من غرفة إلى أخرى!
يعرف أسباب فشل الشركات وهو لم يؤسس شركة، ويتحدث عن أسرار النجاح بينما يؤجل بدايته منذ سنوات، ويحدد للناس كيف يعيشون، فيما حياته الشخصية ما زالت تحت عبارة «جاري التحميل».
ولنكن منصفين: التعثر أو فقدان العمل أو تأخر الفرص ظروف لا تنتقص من قيمة الإنسان. المشكلة فيمن يملك القدرة والوقت والفرصة، ثم يصالح نفسه مع الفراغ ويجعل التأجيل عادة.
فالمشكلة ليست في قلة الإمكانات، بل في الاستسلام للتسويف، وتحويل الأعذار إلى قناعات، وانتظار التغيير دون اتخاذ خطوة واحدة نحوه.
والحياة لا تطلب منا العبقرية أو الثراء، بل تطلب شيئًا أبسط: أن نحاول.
@alsyfean