مع التطور الهائل الذي تشهده نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، نجد الشركات المطورة له في سباق محموم للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام. وبعيدًا عن تصورات الخيال العلمي له، أستعرض في هذا المقال توقعات مستقبلية لعدد من أهم الباحثين في مجالات الذكاء الاصطناعي، وبطبيعة الحال لن أستقصي آراء جميع من كتب، وسأكتفي بنماذج بارزة.
يرى نيك بوستروم -Nick Bostrom-، أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد سابقًا، في كتابه «الذكاء الخارق» -Superintelligence- والصادر في عام 2014م، أن الذكاء الاصطناعي سيصل قريبًا إلى مستوى الذكاء البشري -Human Level Machine Intelligence “HLMI”-، ثم سيتجاوزه بعد ذلك بأعوام قليلة ليصل إلى الذكاء الخارق! وهو ما يعرفه بالقدرة الذهنية على تجاوز البشر في جميع مجالات الاهتمام تقريبًا. ويصف ثلاثة أنواع لهذا الذكاء الخارق، وأولها هو «السرعة»، وهو أي نظام يستطيع القيام بكل ما يستطيع البشر القيام به، لكن بشكل أسرع. وثانيها هو الذكاء «الجمعي» -Collective Superintelligence-، وهو أي نظام يتكون من عدد كبير من «الأذهان» أو المكونات الصغيرة، وبمجموعها تتجاوز قدرة أي ذكاء حالي. وآخرها هو «الجودة»، وهو النظام الذي يكون بسرعة البشر على أقل تقدير، لكنه أذكى نوعيًا من العقل البشري. وهو وإن لم يحدد تاريخًا محددًا للوصول إليه، إلا أنه يرى أن معظم التوقعات التاريخية لتطور الذكاء الاصطناعي من المتخصصين لم تتحقق -سواءً من المتفائلين أو المتشائمين-، ويرى بصورة عامة أنه أقرب بكثير من التوقعات الشائعة، وضرورة الاستعداد لقدومه!
بينما يرى أحد الباحثين الرئيسين والمنظرين في شركة جوجل، راي كرزويل -Ray Kurzweil-، في كتابه «التفرد بات أقرب» -Singularity is Nearer- والصادر في عام 2024م، أن الذكاء الاصطناعي سيصل إلى جميع أنواع الذكاء البشري بحلول عام 2029م. ويذهب أبعد من ذلك ليتوقع الوصول إلى ما يسميه بالتفرد بحلول عام 2045م! أما تعريفه للتفرد فهو وصول الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة متطورة من التقدم وتطوير تقنيات النانو لتمكن البشرية من الاندماج «العضوي» مع الذكاء الاصطناعي بشكل مكمل لبعضه البعض، مما سيطور الذكاء والوعي البشري بشكل يصعب علينا فهمه واستيعابه! فهو يرى أن هذا التفرد سيمكن البشرية من كسر الحواجز البيولوجية، بل وإعادة برمجة عقولنا وأعضائنا البشرية. ويتوقع إمكانية نسخ عقول بشرية بالكامل، بحيث يصبح لدينا ذكاء اصطناعي يمثل نسخة «رقم 2» من شخص ما بكامل معلوماته وذكرياته، وبالتالي صناعة نسخة روبوتية من الشخص! وبناءً على المثال السابق، يرى أن نقاش ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصل إلى الوعي بالذات وأن تكون له إرادة مستقلة هو جدل فلسفي في المقام الأول، وتصعب الإجابة عليه، لكن يرى أن هذه النسخ الروبوتية أو من الذكاء الاصطناعي ستظهر ما يبدو أنه وعي بالذات، بغض النظر عما إذا كان حقيقيًا أم تقليدًا!
مع الفارق بين التفاصيل في التوقعات بين نيك بوستروم وراي كرزويل، إلا أن الأهم هو النبرة التشاؤمية أو التحذيرية لدى الأول، والتفاؤلية لدى الثاني. وهذا ينطبق بشكل كبير على معظم المختصين في هذا المجال، وما يطلق عليه فريق التبشير بـ«الازدهار» -Boomers-، وفريق التحذير من «الدمار» القادم -Doomers-. وللحديث بقية في المقال القادم -بإذن الله-.
@AlQurtas