د. فيصل العزام


نتحدث اليوم عن الأجهزة الذكية التي أصبحت، بمختلف أنواعها وأشكالها، مثل الهاتف والآيباد والأجهزة اللوحية والتلفاز والشاشات، جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية.
ويحظى استخدام الأطفال لهذه الأجهزة باهتمام متزايد، خصوصًا مع قضاء بعضهم ساعات طويلة أمام الشاشات. ورغم الفوائد الكبيرة للتقنية في التعليم والتواصل والترفيه، فإن الإفراط في استخدامها قد يرتبط ببعض الآثار الصحية والسلوكية، خاصة عندما يحل وقت الشاشة محل الحركة والنشاط والراحة والتفاعل الأسري.
ومن الآثار المحتملة لقلة الحركة زيادة الوزن، وضعف اللياقة البدنية، وآلام الظهر والرقبة والكتفين، إضافة إلى بعض المشكلات المرتبطة بالجلوس لفترات طويلة. كما أن التركيز المستمر على الشاشة قد يسبب إجهادًا بصريًا وجفافًا في العين، خصوصًا مع قلة فترات الراحة والنظر إلى مسافات بعيدة.
وقد يؤثر استخدام الأجهزة في أوقات متأخرة من الليل في جودة النوم. ولذلك، يُستحسن تنظيم وقت استخدامها، وخصوصًا قبل النوم، بما يساعد الطفل على الحصول على ساعات كافية من الراحة.
كما أن طول الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الأجهزة، أو التعرض للأصوات المرتفعة واستخدام سماعات الأذن لفترات طويلة، قد يسبب إجهادًا للسمع. وكثرة التنقل بين التطبيقات والمحتويات قد تجعل المحافظة على الانتباه أكثر صعوبة لدى بعض الأطفال، خاصة إذا أصبح استخدام الأجهزة متواصلًا ودون تنظيم.
ولا ينبغي أن نغفل جانب المحتوى؛ فاختيار ما يشاهده الطفل، ومتابعة ما يتعرض له في المنصات المختلفة، أمران مهمان. وقد يؤدي التعرض لمحتوى غير مناسب أو لتعليقات سلبية إلى مشاعر من القلق أو التأثر، خصوصًا لدى الأطفال في المراحل العمرية المبكرة.
كذلك، عندما يصبح التفاعل عبر الشاشة الخيار الأسهل والأكثر حضورًا في حياة الطفل، فقد تقل فرص ممارسة بعض المهارات الاجتماعية، مثل الحوار المباشر، والتواصل وجهًا لوجه، وفهم مشاعر الآخرين والتفاعل معها.
وقد يتحول الاستخدام المفرط لدى بعض الأطفال إلى نمط سلوكي يصعب تنظيمه، فتظهر العصبية أو نوبات الغضب عند محاولة تقليل وقت الشاشة، وقد يؤثر ذلك في اهتمام الطفل بمهامه الدراسية والأنشطة الواقعية التي يحتاج إليها في هذه المرحلة من عمره.
ومن هنا يأتي دور الأسرة في تنظيم استخدام الأجهزة، فالإفراط في انشغال أفراد الأسرة بالهواتف والأجهزة قد يقلل من فرص الحوار والمشاركة في الزيارات والأنشطة العائلية، وهو ما قد يؤثر في جودة التواصل والروابط بين أفراد الأسرة.
والسؤال هنا: كيف نقلل من الآثار السلبية المحتملة لاستخدام الأجهزة والهواتف لساعات طويلة؟
يبدأ ذلك بوضع حدود واضحة ووقت مناسب لاستخدام الأجهزة بما يتوافق مع عمر الطفل واحتياجاته، إلى جانب المتابعة الأبوية والتأكد من ملاءمة المحتوى الذي يصل إليه. كما أن تشجيع الطفل على ممارسة الرياضة والأنشطة والهوايات، والقراءة، واللعب، والتواصل المباشر مع الأسرة والأصدقاء، يوفر بدائل مفيدة ومتوازنة.
إن استخدام الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي لفترات طويلة قد يرتبط ببعض الآثار الصحية والنفسية والاجتماعية لدى الأطفال، وقد ينعكس على نمط الحياة والتواصل داخل الأسرة. لكن هذا الخطر ليس حتميًا، فإدارة الوقت، ووضع الضوابط المناسبة، واختيار المحتوى بعناية، وتعزيز البدائل المفيدة، يمكن أن تجعل التكنولوجيا أداة نافعة بدل أن تتحول إلى مصدر للمشكلات.
والوقاية لا تعني المنع الكامل، وإنما تعني الوصول إلى استخدام متوازن وواعٍ. ويختلف الوقت المناسب أمام الشاشة بحسب عمر الطفل وطبيعة الاستخدام، مع أهمية تجنب استخدام الأجهزة قبل النوم بمدة كافية، حتى لا تصبح جزءًا من روتين قد يؤثر في النوم والراحة.
في النهاية، ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها. فالهدف أن نستخدم التكنولوجيا لخدمة حياتنا، لا أن نسمح لها بأن تدير حياتنا.
Abuazzam888@live.com