حسن السبع
مسابقة للشعر الشعبي الضاحك:اقترحت في مقال سابق أن تُوظّف المسابقات الشعرية، يوما ما، للشعر الشعبي الضاحك، أي للشعر الحلمنتيشي في نسخته العامية. فهذا اللون من الشعر يجمع بين المتعة والفائدة. ويعبر عن الواقع بطريقة ساخرة. كما أنه يتفوق على كثير من النصوص الجادة المفتعلة. لن يغيب عن هذه المسابقات سوى قصائد المديح وقصائد الحماسة، فما يميز شعر الفكاهة عن غيره بعده عن المديح كغرض من الأغراض الشعرية. فالهزل والمديح لا يلتقيان في نص واحد، إلا إذا كان مديحا على طريقة الجاحظ في رسالة التربيع والتدوير، فهي هجاء مرٌّ في صيغة مديح. والشعر أو النثر الساخر أبعد ما يكون عن المصانعة والارتزاق. ولذلك فهو أقرب إلى الصدق، شأنه في ذلك شأن الهجاء. ويرى شاعر يدعى (عبدان) أن الهجاء أكثر صدقا فيقول: «وقالوا في الهجاء عليك إثمٌ وليس الإثم إلا في المديح/ لأني إن مدحتُ، مدحتُ زورا/ وأهجو حين أهجو بالصحيح». لكني لا أتحدث هنا عن الهجاء الذي يتخذ منحى شخصيا يطال الأفراد، بل عن الهجاء كشكل من أشكال النقد الاجتماعي الذي لا يستهدف الأشخاص بل المواقف والممارسات المعوجة. ويقينا فإنه لا علاقة للشعر الساخر بشعر الحماسة إلا عندما ينسج على منواله بطريقة تسخر من مضامينه الحافلة بالعنتريات. مثلما نسج الشاعر الساخر حسين شفيق المصري على منوال نونية عمرو بن كلثوم التي مطلعها : «ألا هبي بصحنك فاصبحينا» فقال: «وكان لنا بحارتنا غفيرٌ/ ينام ونحن طرَّا صاحيونا/ وشاويشٌ يغيب إذا اعتركنا/ ويحضر بعدما نتصالحونا/ ومِ الخواجات نأخذ كلَّ شيء/ بأسعار تجننا جنونا/. الدعابة نقد اجتماعي يقاوم الصلابة بصيغة مرنة.. أو هي معارضة لا تتخذ العنف منهجا. أي أنها شكل من أشكال المقاومة السلمية. ولن أستغرب لو علمت أن الزعيم الهندي غاندي قد استخدمها، ذات يوم، في سجالاته التفاوضية مع الإدارة البريطانية. «من لا يَعَشّيكْ هدّه»!مع الاعتذار لحاملات لواء النِّسوية العربية ممن لا يمتلكن حس الدعابة، ولا يميزن بين النكتة والكلام الجاد سأستهل هذه الفقرة بالمثل الإنجليزي القائل: «إن الطريق إلى قلب الرجل تمر عبر معدته» ويعود هذا المثل، حسب منير البعلبكي، إلى عام 1857م. وأنه على غرار المثل الشعبي القائل: «أكرم الفم تستحِ العين». ومن ثمّ فإنه لا علاقة لهذا المثل بما ذهب إليه الشاعر العربي الذي زعم أن الحب والجوع لا يجتمعان في جسد واحد فقال: «إذا اجتمع الجوع المبرّح والهوى/ نسيتُ وصال الغانيات الكواعب/ فدع عنك تطلاب الغواني وحبها/ وراجع تمورا من لباء ورائب»!. وفي تراثنا العربي طرائف شعرية كثيرة عن ثنائية الجوع والحب. من ذلك قول هذا الشاعر: إذا كان في بطني طعام ذكرتها/ وإن جعت يوما لم تكن لي على ذكر/ ويزداد حبي إن شبعت تجددا/ وإن جعت غابت عن فؤادي وعن ذكري. فلا يكاد يطل هر الجوع حتى تهرب فارة الحب! وقد عبر شعراء القصيدة الشعبية عن ثنائية الحب والجوع بقصائد ضاحكة. وهنا سأعود إلى كتاب الشاعر إبراهيم الخالدي (المستطرف النبطي) وقد أورد فيه بعض الطرائف المتعلقة بهذا الغرض. فهذا شاعر جائع يخاطب حبيبته (هيفاء) قائلا: «هيفا أنا طالبكْ عشيني اليوم/ البطن جاع وجوّعه درب (جده)/ يومين أنا يا بنت مِ الزاد محروم/ صبري نفد يا بنت وانباح سدَّه/ والحب عندي دايم الدوم معدوم/ عندي مَثَلْ «من لا يعشيك هدَّه»! وشبيه بصاحب هذا المثل الغريب، ذلك الحبيب الذي تشتكي منه الشاعرة مرام الشوق قائلة: «لي قصةٍ مع صاحبي فيلم هندي/ دايم أنا وياه ف.. هواشْ ودموع/ ودّه يسامرني على تيس مندي/ وأنا رقيقة ودي بازهارْ وشموع»! وتحاول الشاعرة أن تقنع صاحبها أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكنه لا يقاوم إغراء التيس المندي، ولا يستطيع أن يتجاهل نداء المعدة، فتبوء محاولاتها بالفشل حيث تنتهي القصيدة بقولها: «قام وتلفَّتْ، قال: قومي تغدي/ هذرتك واجد يوم أنا ميّتٍ جوع». وسلامتكم. hsn_saba@hotmail.com