بيان آل يعقوب


تطحن الرحى حبوبًا، وتحوّلها إلى طحين، كما تنمو الثقة بين الأصدقاء من خلال المواقف، فتكون خلاصة الوفاء بينهم. لكن الثقة تحتاج إلى التمهّل، ولا تنسجم دائمًا مع السرعة في الحكم أو التعامل، فبعض العلاقات تحتاج إلى وقت حتى تتضح معالمها، وتكشف الأيام حقيقة المشاعر والمواقف.
تجمع الرحى والرياح حرف الراء، في حركة توحي بالدوران وتغيّر الاتجاه. فالرحى تدور وتطحن الحبوب، والرياح تتحرك وفق اتجاهات مختلفة، وقد تتوقف أو تغيّر مسارها. أما الألف، فتشير إلى ما ينتج عن حركتهما؛ فالرحى تنتج الطحين، والرياح تسهم في انتقال حبوب اللقاح ونمو النباتات، وكأن لكل منهما أثرًا يتشكل بعد الحركة والصبر.
كما تدور الرحى ببطء، تتشكل الثقة عبر مجموعة من المواقف. فهي كالكنز الذي لا يُقدّر بثمن، والوصول إليها يحتاج إلى وقت وملاحظة وتأنٍّ. ومن خلال التعامل تتضح شخصية الأصدقاء، وتظهر ملامحهم الحقيقية؛ فمنهم من يتصرف بحكمة، ومنهم من يتعجل في قراراته. ولهذا، لا تستطيع السرعة وحدها أن تبني ثقة راسخة، فالعلاقات المتينة لا تُقاس بسرعة بدايتها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والوفاء.
حبوب الرفقة هي ما تطحنه رحى الثقة، وهي تحتاج إلى وقت حتى تتضح ملامحها. وفي خريطة الثقة، على السرعة أن تتأنى، وأن تمنح التفكير المنطقي مساحة قبل اتخاذ الأحكام. وعندما يكتمل وضوح الصورة، يمكن رؤية الأصدقاء بموضوعية، ومعرفة من ينسجم معهم، واختيار من تستحق العلاقة معه أن تنمو وتستمر. فالصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى استعجال، بل إلى مواقف تكشف معدنها بهدوء.
استقبلت الثقة السرعة بوقفة شكر وامتنان، وبدأت رحاها تطحن حبوب الرفقة، لتصنع منها طحينًا ناعمًا يشبه خلاصة الوفاء، وتترك للوقت مهمة إظهار أجمل ما في العلاقات.
BayianQs03@outlook.sa