إعداد: بندر الورثان

بعد صافرة النهاية… ماذا تقول الأرقام؟

لم يكن إسدال الستار على منافسات كأس العالم 2026 نهايةً للحدث الرياضي الأكبر في العالم، بل بدايةً لمرحلة جديدة من التقييم، انتقلت فيها الأنظار من نتائج المباريات إلى المؤشرات الاقتصادية، ومن المنافسة داخل المستطيل الأخضر إلى قراءة العوائد التي خلفتها البطولة على الدول والمدن المستضيفة.

ولرسم صورة أكثر شمولًا، استعرض «الميدان» ما نشرته صحف ووسائل إعلام عالمية من بينها CNN وThe Wall Street Journal وForbes وReuters بهدف الوقوف على أبرز المؤشرات الاقتصادية التي صاحبت البطولة، ومقارنة التوقعات السابقة بالنتائج التي بدأت تتكشف بعد إسدال الستار على المنافسات.

السياحة والضيافة... المستفيد الأبرز من الزخم الجماهيري

تشير غالبية المؤشرات التي تناولتها وسائل الإعلام العالمية إلى أن قطاعي السياحة والضيافة كانا في مقدمة المستفيدين من استضافة كأس العالم 2026، في ظل التدفق الكبير للجماهير من داخل الدول المستضيفة وخارجها.

فقد ارتفعت معدلات إشغال الفنادق إلى مستويات لافتة، وازدادت حركة المطارات ووسائل النقل العام، كما شهدت المطاعم والمقاهي والمتاجر نشاطًا استثنائيًا، مدفوعًا بإنفاق مئات الآلاف من المشجعين الذين تنقلوا بين المدن لمتابعة مباريات البطولة.

ووفقًا لما أوردته CNN، فقد أسهمت البطولة في تحريك الاقتصاد الأمريكي من خلال إنفاق سياحي واستهلاكي قُدِّر بنحو 20 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم النشاط الذي شهدته الأسواق خلال فترة إقامة المنافسات، مع تفاوت واضح في حجم الاستفادة بين مدينة وأخرى بحسب عدد المباريات التي استضافتها وأهميتها.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن تأثير البطولة لم يقتصر على المنشآت الرياضية، بل امتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة، من بينها الفنادق، والنقل، والمطاعم، وقطاع التجزئة، ما يؤكد الترابط الوثيق بين الأحداث الرياضية الكبرى والنشاط الاقتصادي المصاحب لها.

الفنادق والمطاعم... موسم استثنائي للأعمال

من بين أكثر القطاعات التي عكست الأثر المباشر للبطولة، جاء قطاع الضيافة الذي سجل معدلات إشغال مرتفعة، بالتزامن مع زيادة الطلب على الغرف الفندقية، وارتفاع متوسط أسعار الإقامة في عدد من المدن المستضيفة.

ورصدت صحيفة The Wall Street Journal ارتفاعًا ملحوظًا في إيرادات الفنادق خلال أيام إقامة المباريات، إذ أشارت إلى أن العوائد ارتفعت بنحو 35% مقارنة بالفترات المعتادة، في وقت شهدت فيه المطاعم والمقاهي والمتاجر حركة نشطة نتيجة الإقبال الكبير من الجماهير.

ولم تقتصر الاستفادة على الفنادق الكبرى أو العلامات التجارية العالمية، بل امتدت إلى آلاف المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي استفادت من ارتفاع الطلب على الخدمات والمنتجات خلال فترة البطولة. ونقلت الصحيفة عن عدد من أصحاب الأعمال أن الأسابيع التي تزامنت مع كأس العالم كانت من أكثر الفترات نشاطًا وربحية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس على مختلف الأنشطة المرتبطة بالسياحة والضيافة.

كما امتد النشاط إلى شركات النقل وتأجير السيارات وخدمات الترفيه، التي شهدت زيادة ملحوظة في الطلب، مدفوعة بالتنقل المستمر للجماهير بين المدن المستضيفة، الأمر الذي أسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية على نطاق أوسع.


الإنفاق الاستهلاكي... مؤشر يعكس قوة الحدث

إلى جانب الحركة السياحية، برز الإنفاق الاستهلاكي باعتباره أحد أبرز المؤشرات التي عكست الأثر الاقتصادي المباشر للبطولة.

وأظهرت بيانات استعرضتها The Wall Street Journal، نقلًا عن بنك أوف أمريكا، ارتفاع إنفاق المستهلكين داخل الولايات المتحدة بنسبة 6.3% خلال شهر يونيو مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو أعلى معدل نمو خلال أكثر من أربع سنوات.

وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة لأنها تعكس إنفاق المقيمين داخل الولايات المتحدة، ولا تشمل ما أنفقه الزوار القادمون من خارج البلاد، ما يشير إلى أن حجم النشاط الاقتصادي المرتبط بالبطولة قد يكون أكبر من الأرقام المعلنة.

كما تؤكد هذه المؤشرات أن الأثر الاقتصادي لكأس العالم لم يقتصر على بيع التذاكر أو امتلاء المدرجات، بل امتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد المحلي، بدءًا من التجارة ومرورًا بالخدمات وانتهاءً بقطاع الترفيه، وهو ما يعكس الدور الذي يمكن أن تؤديه البطولات الرياضية الكبرى في تحفيز الإنفاق خلال فترات زمنية محدودة


بين التوقعات والواقع... هل تحققت الوعود الاقتصادية؟

قبل انطلاق كأس العالم 2026، رافقت البطولة توقعات متفائلة تحدثت عن مليارات الدولارات التي ستُضخ في الاقتصاد، وعن طفرة سياحية وتجارية واسعة، إلى جانب فرص العمل التي ستوفرها الاستضافة.

لكن مع انتهاء المنافسات، بدأت المقارنات بين تلك التوقعات والنتائج الأولية، لتظهر تباينات واضحة في تقييم حجم المكاسب الاقتصادية.

وفي هذا السياق، تناولت مجلة Forbes الملف من زاوية مختلفة، إذ ركزت على المقارنة بين الوعود التي سبقت البطولة وما تحقق على أرض الواقع، مشيرة إلى أن بعض التقديرات الأولية جاءت أقل من سقف التوقعات الذي رافق الاستعدادات للحدث.

ورأى التقرير أن النشاط الاقتصادي الذي شهدته المدن المستضيفة لا يمكن إنكاره، إلا أن الحكم على نجاح البطولة اقتصاديًا لا ينبغي أن يعتمد على حجم الإنفاق خلال أسابيع المنافسات فقط، وإنما يجب أن يشمل العائد الذي ستجنيه المدن من استثماراتها على المدى الطويل.

وتبرز هذه القراءة أهمية التمييز بين العائد التجاري المباشر الذي يتحقق أثناء إقامة البطولة، والعائد الاقتصادي المستدام الذي قد يمتد لسنوات إذا نجحت المدن في استثمار البنية التحتية التي أُنشئت أو طُورت استعدادًا للحدث

وبحسب ما تناولته Forbes، فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) يبقى المستفيد المالي الأكبر، مستندًا إلى الإيرادات الضخمة التي يحققها من حقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية، والتسويق، وبيع التذاكر، والحقوق التجارية المرتبطة بالبطولة.
وفي المقابل، تتحمل المدن المستضيفة والحكومات المحلية جزءًا كبيرًا من تكاليف التنظيم، وتشمل الخدمات الأمنية، وإدارة الحشود، وتحسين شبكات النقل، وتطوير بعض المرافق العامة، إضافة إلى المصروفات التشغيلية التي تسبق انطلاق المنافسات وتستمر حتى نهايتها.

وتشير المجلة إلى أن هذه المعادلة ليست جديدة، بل تتكرر في العديد من البطولات الكبرى، حيث تتركز الإيرادات التجارية العالمية لدى الجهة المنظمة، بينما تسعى المدن المستضيفة إلى تحقيق مكاسب غير مباشرة تتمثل في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز الحركة السياحية، وتحسين صورتها على الساحة الدولية.

السياحة الدولية... نتائج متفاوتة

وفي جانب آخر، أشارت تقارير إعلامية إلى أن الاستفادة من التدفقات السياحية لم تكن متساوية بين المدن المستضيفة. فبينما سجلت بعض الوجهات ارتفاعًا في نسب إشغال الفنادق والإنفاق السياحي، جاءت النتائج في مدن أخرى أقل من التوقعات التي سبقت البطولة.
وأوضحت مجلة Forbes أن بيانات حركة السفر خلال شهر يونيو أظهرت أن أعداد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة لم تشهد الارتفاع الكبير الذي كان متوقعًا، كما أن بعض الفنادق في المدن المستضيفة لم تسجل زيادة ملموسة في نسب الإشغال أو الطلب على الغرف، رغم رفع الأسعار استعدادًا للبطولة. وأرجع التقرير ذلك إلى عوامل عدة، من بينها تفاوت أعداد الزوار الدوليين، وارتفاع تكاليف السفر والإقامة، واعتماد بعض المشجعين على التنقل بين المدن بدلًا من الإقامة فيها.

وفي السياق ذاته، لفتت وكالة Reuters إلى أن التجربة اختلفت من مدينة إلى أخرى، بل ومن دولة مستضيفة إلى أخرى، إذ حققت بعض الوجهات مكاسب أوضح من غيرها، بينما جاءت العوائد في مواقع أخرى دون التقديرات الأولية، ما يعكس أن الأثر الاقتصادي للبطولة يرتبط بقدرة كل مدينة على استثمار الحدث وفق ظروفها الاقتصادية والسياحية.

وبينما تتحدث بعض التقارير عن عوائد مباشرة تحققت بالفعل، تدعو أخرى إلى التريث في إصدار الأحكام النهائية، انتظارًا لما ستظهره المؤشرات الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.