عبدالله يوسف العثمان

A.y.alothman@hotmail.com
في السنوات الأخيرة، أصبح الوصول إلى المعلومة الطبية أسهل من أي وقت مضى. يكفي أن يكتب الإنسان أعراضه في أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو محركات البحث حتى تنهال عليه الاحتمالات والتفسيرات والنصائح خلال ثوانٍ معدودة. وقد منح هذا التطور الناس فرصة أكبر لفهم حالتهم الصحية، لكنه في الوقت نفسه فتح باباً جديداً من التحديات التي قد لا يدركها كثيرون.
فالمشكلة لا تكمن في التقنية نفسها، بل في طريقة التعامل معها. فقد أصبح بعض المرضى يعتمدون على إجابات تطبيقات الذكاء الاصطناعي اعتماداً كاملاً، ويتعاملون معها وكأنها تشخيص نهائي لا يقبل الخطأ أو المراجعة. والحقيقة أن هذه الأنظمة تعتمد على المعلومات التي يُدخلها المستخدم، وكلما كانت تلك المعلومات ناقصة أو غير دقيقة، جاءت النتيجة أبعد عن الواقع.
ولهذا قد نجد شخصاً يصف أعراضه بطريقة غير واضحة، أو يغفل تفاصيل مهمة، فيحصل على إجابة قد تقلل من خطورة حالته أو تبالغ فيها. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة واحدة: قلق غير مبرر، أو شعور زائف بالاطمئنان قد يؤخر طلب الرعاية الطبية اللازمة.
ومن جانب آخر، فإن الذكاء الاصطناعي لا يرى المريض، ولا يطّلع على تاريخه الصحي كاملاً، ولا يستطيع إجراء فحص سريري أو طلب فحوصات تشخيصية تؤكد الاشتباه أو تنفيه. فالطب لا يقوم على الأعراض وحدها، بل على مجموعة من المعطيات التي يجمعها المختص للوصول إلى التشخيص الصحيح.
ولعل من الظواهر اللافتة في الآونة الأخيرة أن بعض المرضى لم يكتفوا بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي لفهم حالاتهم الصحية، بل أصبحوا ينظرون إلى إجاباته على أنها الرأي الأكثر دقة، ويضعونها أحياناً في مواجهة رأي الطبيب المختص. وقد يصل الأمر إلى التشكيك في التشخيص أو الخطة العلاجية اعتماداً على إجابة وُلدت من بضعة أسطر كُتبت في تطبيق أو منصة رقمية.
وهنا تكمن الإشكالية؛ فالذكاء الاصطناعي يبني إجاباته على المعلومات المتاحة له، بينما يستند الطبيب إلى سنوات من الدراسة والخبرة والفحص السريري وقراءة النتائج وربط المعطيات بعضها ببعض. لذلك فإن المقارنة بينهما ليست منافسة بين طرفين متساويين، بل بين أداة مساعدة وخبرة مهنية متخصصة، لكل منهما دور مختلف.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الفائدة الكبيرة التي تقدمها هذه التقنيات عند استخدامها بصورة صحيحة. فهي تساعد في التثقيف الصحي، ورفع مستوى الوعي، والإجابة عن كثير من الاستفسارات العامة، كما يمكن أن تكون نقطة انطلاق لفهم الحالة الصحية بصورة أفضل قبل مراجعة المختص.
لذلك، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي يجب أن يكون قائماً على الوعي لا الاتكال. فالتقنية أداة مساندة، أما التشخيص والعلاج واتخاذ القرار الطبي فتبقى مسؤولية المختصين. وبين الاستفادة من التقنية والثقة المطلقة بها مساحة من الحكمة يحتاج إليها كل مريض، حتى لا يتحول البحث عن الإجابة إلى سبب في الوقوع في الخطأ.


منصة