الإنسان والمعرفة في عصر المعلومات
كيف تحول المعرفة إلى معلومات؟ يعتبر العصر الذي نعيش فيه عصر المعلومات، حيث لا مجال لأي إنسان أن يكون بمنأى عن السيل الكبير للمعلومات التي تأتينا من كل حدب وصوب. فالثورة المعلوماتية التي أحدثتها وسائل الاتصال المقروءة منها والمرئية والمسموعة قفزت بمستوى تفكير الإنسان، وتعاطيه مع مجمل الأمور التي يعيشها، فكان لابد من أن يكون لكل شخص اختيار محدد ومقنن للمعلومات التي يتلقاها، كل حسب اختصاصه واهتمامه، بحيث يحول هذه المعلومات التي ترد إليه إلى معرفة يستفيد منها في الارتقاء بمستوى تفكيره وتعامله وتعاطيه وردود أفعاله تجاه كل ما يحيط به. نتناول اليوم في زاويتنا الرئيسة كتاب «الإنسان والمعرفة في عصر المعلومات» الذي يناقش ويحلل كيفية تحويل الإنسان للمعلومات التي يعيش في خضمها إلى معرفة يستفيد منها. هذا الكتاب من تأليف الدكتور كيث دفلين «Keith Devlin» نقله إلى العربية شاذن اليافي، وبلغ عدد صفحاته مائتين وأربعاً وثمانين صفحة. يعتبر هذا الكتاب دليلاً للقارئ يرشده إلى كيفية البقاء في عصر المعرفة والمعلومات ــ كما تقول مقدمة الكتاب ــ وهو يعتمد في القسم الأوسع منه على خمسين سنة من الأبحاث في طبيعة المعلومات المنجزة في مركز جامعة ستانفورد لدراسة اللغة والمعلومات، حيث كان للمؤلف دورٌ مهم في مشروع الأبحاث منذ العام 1985م حتى الوقت الحاضر، واقتصرت النتائج العلمية الأساسية المنبثقة عن هذا المركز إلى حد بعيد على جماعة البحث الأكاديمي، وهي متوافرة فقط في بحوث تكنولوجية كتبت بطريقة تناسب المختصين. مؤلف هذا الكتاب درس الرياضيات ونال شهادة الدكتوراة في علم الرياضيات من جامعة بريستول، ونجح في مجال البحوث الرياضية، واهتم باستقصاء البحوث في المعلومات، وارتبط بمركز دراسة اللغة والمعلومات،وألف العديد من الكتب في الرياضيات ، ككتاب «الحياة عبر الأرقام» وكتاب «لغة الرياضيات : تحويل الخفي إلى مرئي» وبلغ مجموع الكتب التي ألفها اثنين وعشرين كتاباً. ويقدم هذا الكتاب بعض أهم النتائج العلمية التي حصل عليها هذا المركز ويضعها بحوزة القارئ العادي، كذلك يبرز أهمية النتائج التي يمكن أن تستخدم لتحسين كيفية التعامل مع المعلومات لدى الشركات والأفراد، ويعتمد المؤلف في هذا الكتاب على تجاربه الاستشارية التي يقدمها في أمور تتعلق بإدارة المعلومات، حيث يوضح كيف تؤخذ الأفكار من النظرية الجديدة ــ علم المعرفة ــ لتوضع في نطاق الاستخدام الفعلي. اشتمل الكتاب على مواضيع نوقشت في الكتاب بقوالب مختلفة وأمام جمهور مختلف في كتابين آخرين من تأليف المؤلف هما: اللغة عند العمل، وكتاب وداعاً يا ديكارت، مع الأخذ في الاعتبار أن المؤلف طور على مر السنين ما اعتقد أنها أفضل الطرائق لإيضاح بعض النقاط الأساسية. ويهدف المؤلف إلى إيصال المعلومات التي يريد أن يستفيد منها القارئ بأفضل وسيلة ممكنة. كما أن الكتاب يبدو في الظاهر موجها لأصحاب الأعمال المحترفين، كالمدير التنفيذي الرئيس، والمدير المتوسط، والمساعد الشاب الطموح، والموظف بالمكتب، ورجل المبيعات والتسويق، وموظف الاتصالات المحترف الذي يخدم عن بعد. كما أن طبيعة عصر المعرفة تقتضي أن تكون الفكرة في الكتاب موجهة وموائمة للجميع، وعليه فقد حاول المؤلف أن يجعل مستوى عرضه في متناول الجميع، حيث عرض محتوى الكتاب بنظرة دقيقة لبعض التطبيقات الأساسية. كما ضمَّن دراسته العديد من الأمثلة التي ترد في الحياة اليومية، وأعطى نصائح نوعية متدرجة عن كيفية تحسين فعالية معالجة المعلومات مستنداً إلى حقائق علمية راسخة. كما أن الرسوم البيانية البسيطة تسهل إيضاح الفكرة الأساسية. وقد تعمد المؤلف أن يجعل فصول الكتاب قصيرة كي يتمكن القارئ من معالجتها بتركيز، ثم ينهي كل قسم بتلخيص عام وموجز له. بعد هذه النظرة العامة حول الكتاب، نأخذ جولة حول ما احتواه الكتاب من معلومات ومفاهيم، بدأ مؤلف الكتاب كتابه بعنوان «من السذاجة إلى الإدراك المعلوماتي» حيث يتطرق فيه المؤلف إلى معنى كلمة المعلومات وكلمة المعرفة، والتغير الوحيد والمهم الذي تمثل في زيادة الوعي للدور الحاسم الذي تلعبه سيكولوجية الأفراد من جهة الذي تلعبه الثقافة من جهة أخرى، قائلاً : «إن المعرفة على خلاف المعلومات، تدور حول العقائد والالتزام» منوهاً في كتابه إلى أن الخلاف بين المعلومات والمعرفة هو خلاف أساس يلزم تحريه بطريقة نظرية، معتبراً كتابه هو كتاب غير اعتيادي مقارنة بمحاولات تحري ماهية المعلومات وماهية المعرفة، مبيناً أن مجتمع اليوم انتقل من مجتمع يعتمد على الصناعات والمواصلات إلى مجتمع يعتمد على المعرفة والمعلومات،حيث تربط الناس بعضهم ببعض، ويكسب كثير من الناس رزقهم من طلب المعرفة أو نقلها، أو من معالجة المعلومات أو معاملتها بطريقة أو بأخرى، وسيزداد حجم الاعتماد على المعرفة والمعلومات في السنوات المقبلة، وسيصبح الفهم الأساس للمعلومات ضرورياً. كما كانت المهارات الزراعية ضرورية في عصر الزراعة، والمهارة الصناعية ضرورية في عصر الصناعة، وسيصبح فهم المعلومات وماهيتها وكيفية تدفقها وكيفية طلبها واستخدامها وما هو مطلوب لتحويلها إلى معرفة أمراً ضرورياً وملحاً في المستقبل القريب. ويؤكد دفلين أن المعرفة من الناس وإلى الناس، وأن قيمة المعلومات الحقة تقع في إمكانية تحويلها إلى معرفة، منتهجاً أسلوب التحليل العلمي والمعلوماتي ليصل إلى الهدف الحقيقي الذي يصبو إليه وهو المعرفة، ثم يدرس المؤلف المعلومات لأن دراستها ــ كما يقول ــ تحسن فهمنا المعلومات وتحسن قدرتنا على تحويل هذه المعلومات إلى معرفة وإلى استخدام المعرفة بشكل فعال ، وكلما كانت المعرفة نشاطاً إنسانياً على مستوى واسع كانت مناقشتها أشد طرافة من معالجة المعلومات التي تسبقها، معتبراً كتابه مشاركة جديدة وفريدة في أدبيات المعلومات؛ لأنه يعتمد على النظرية العلمية لها، وغاية المؤلف في تأليف كتابه هو تزويد القارئ بدليل عملي للوصول للمعلومات والمعرفة، واصفاً كيفية أخذ بعض الأفكار العلمية وتطبيقها بطريقة تكنولوجية عالية، ليساعد القارئ على تنمية حسه السليم لفهم المعلومات أو ما يسمى الإدراك المعلوماتي. ويستخدم المؤلف في هذا الكتاب نظرية الحالة وهي الإطار الذي يستخدمه المؤلف في بحثه في مجال المعلومات، وتنطلق نظرية الحالة من إدراك أن المعلومات تنتقل في حالات معينة، حيث يشير إلى أن هذا المجتمع المعقد الذي نعيش فيه اليوم تملك أجزاء المعلومات الصغيرة التي تبدو بسيطة قيمة هائلة من الأهمية، ويترتب على كل الأفراد الذين هم في موضع المسئولية أو السلطة أياً كانت درجة مسؤوليتهم أو سلطتهم أو يفهموا ماهية المعلومات كي يتاح لهم البقاء في المجتمع المعلوماتي الحالي. كما يجب عليهم أن يعرفوا كيف تنشأ هذه المعلومات وكيف تجري، وكيف يستطيعون استخدامها بحكمة وذكاء، وأياً كانت هذه المعلومات فهي تسهيلات ذات قيمة،تجمع وتحفظ وتنسخ وتباع وتسرق، وأحياناً يقتل أناس من أجلها، طورت من أجلها معدات وبرامج لتخزين المعلومات ومعالجتها،ومع هذا كله فإنه من الصعب بمكان تحديد ماهية المعلومات أو وضع تعريف لها. ويكمل المؤلف حديثه فيقول :»إن إدراك الفروق الدقيقة بين هذه المفاهيم الثلاثة : البيانات والمعلومات والمعرفة أمر جوهري». كما يؤكد أن المعلومات لا تساوي المعرفة وأن هناك فرقاً بين الكلمتين، حيث وضع المصطلحات ضمن معادلة رياضية وهي: المعرفة = المعلومات المخزنة + القدرة على استعمال المعلومات. فإذا تسلح الناس بفهم علمي عميق للمعلومات،يمكنهم عندئذٍ أن يلتفتوا إلى مسألة المعرفة، وتكمن الفروق بين البيانات والمعلومات والمعرفة في أن البيانات هي ما نحصل عليه عندما يطبع الحاسب الآلي جدولاً للأرقام أو لائحة من الأسماء والعناوين وتوجد في الأوراق واسطوانات الحاسب الآلي، وتصبح البيانات معلومات عندما يحصل عليها الناس أثناء قيامهم بأعمالهم اليومية وتوجد في الفكر الجماعي للمجتمع،وتصبح المعلومات معرفة عندما يعتقد بها المرء في ذاته تمكنه من استعمالها بشكل فوري وتوجد في الفكر الفردي للشخص. ثم ينتقل الكتاب لإعطاء نظرة مركزة على مجال الأعمال، حيث يتحدث عن المفارقة الإنتاجية في مجتمع المعرفة والمعلومات. كما يتحدث حول إدارة أهم مقتنيات الشركة ، ويشبه المعلومات بأنها الصمغ الذي يمسك غالبية المنظمات بعضها ببعض، متسائلاً: لماذا نجد من الصعوبة بمكان أن نعرف المعلومات، منوهاً بأن عندنا اليوم تكنولوجيا المعلومات وليس علم المعلومات. ويردف المؤلف الى أنه يجب على المرء أن يتعلم التفريق بين ما هو معلومات وما هو غير معلومات، فأحد الأخطاء الشائعة هو الخلط بين المعلومات مع تمثيلاتها : فالكلمات التي على الورق تختلف عن الرسوم البيانية التي في الكتب، تختلف عن الأسطوانات المدمجة، فالمكتبات ــ والكلام للمؤلف ــ ليست مخازن للمعلومات، بل إن ما تجده في المكتبات هو الكتب وليس المعلومات، والكتب لا تحوي معلومات بل صفحات، وكذا الصفحات فيها علامات وإشارات مختلفة لا معلومات، وتنشأ المعلومات حين ترمَّز وتمثل بعلامات على الصفحات، وهذا الأمر أساس وليس تافها. فإدراك الفرق بين المعلومات والتمثيلات هو مفتاح معالجة المعلومات بدقة، ولكي تحصل على المعلومات من الكلمات والجمل، يجب عليك أن تفهم اللغة وتعرف معاني كلماتها، وتعرف قواعدها، وتجيد قراءة كلماتها. ويكمل المؤلف حديثه حيث يقول : إنك لا تستطيع الحصول على معلومات إلا بالحصول على البيانات زائداً المعنى. ولا أحد يستطيع أن يضمن مائة بالمائة عدم حدوث سوء تفاهم بناء على الاختلاف في فهم سياق الكلام، ويمكن التقليل من سوء الفهم الناتج عن اختلاف السياق بالتصميم والتخطيط الحذر لإجراءات العمل، لكن لا يمكن استبعاده نهائياً، ونتيجة لذلك فإن أفضل إستراتيجية يمكن الأخذ بها هي توقع سوء الفهم دائماً، ويمكن التقليل من إمكانية سوء الفهم باتباع طريقة التلخيص المتكرر لما اتفق عليه في نهاية كل مرحلة، بتوزيع خلاصة مدونة لذلك الاتفاق فوراً. ولقد طور المؤلف طريقة تفكير بالمعلومات تعتمد مفاهيم أساسية ثلاثة هي : الحالات والأنماط والقيود، وللحصول على المعلومات أو استخلاصها من شيء ما تحتاج إلى محيط مناسب (حالة) وينبغي لك أن تعرف القيد أو القيود التي تتحكم في الطريقة التي يرمز بها هذا الشيء إلى المعلومات. ويتحدث المؤلف عن هندسة المحادثات ، فلا يمكن أن تفهم المعلومات بكل معنى الكلمة إلا بمستوى النظام، ويبغي تحليل كيفية تدفق المعلومات في النظام عبر التعرف على الحالات السياقية الحاسمة،والتعرف على محور هذه المعلومات وما تخبره ، والتعرف على القيود التي تدعم ترميز المعلومات ونقلها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المحادثات بطبيعتها تعاونية، وهي أحد أهم الملامح التي يجب عدم إهمالها أو إغفالها،فالمحادثة ليست ببساطة أن يتحدث شخصان كل في دوره، بل هي عمل تعاوني مشترك يؤدى في الواقع ضمن عملين مستقلين ، بطريقة لا شعورية، وتشمل الحالات السياقية للمشتركين مجالاً من المعرفة الخلفية المناسبة، والمهارات التي يجلبها كل منهما إلى المحادثة. ويستحيل أن تأتي المحادثات على نموذج «قال وقالت» وهو الأسلوب المنمق غير الواقعي المصوَّر بمحادثات تراها في التمثيليات التلفزيونية والأفلام. فالشخص الأول في هذه السيناريوهات يتكلم ثم يجيبه الثاني ثم يتكلم الأول وهكذا، وكلاهما يتكلمان بجمل كاملة واستهلالات صحيحة بدون تداخل في الكلام، وهذا خلاف المحادثات العادية التي تجري بين اثنين في وضع طبيعي، حيث ندرة الجمل النحوية الكاملة فيها، مع وجود استهلالات خاطئة ومداخلات ومقاطعات في الحديث، وأفضل طريقة لدراسة مثل هذه المحادثات هي دراسة عملية المفاوضة. فالمتحدثان يتفاوضان على معاني الكلمات التي يفوهان بها، ولا يوجد عملياً كلمات وجمل واضحة تماماً،فكل ما نقوله من الممكن أن يساء فهمه، والغاية الفعلية من المحادثة هي تبادل المعلومات،ولأجل الحصول على تبادل للمعلومات ناجح،يجب أن يعمل المشتركان على ضمان أن كليهما يعلق نفس المعلومات على الكلمات التي يتبادلانها، ولكي نرتقي بالمحادثة يجب علينا أن نرتقي من قال وقالت إلى مستوى التفكير أن المحادثة سلسلة من أعمال مشتركة تسمى(إسهامات)وعملية الإسهامات ليست كالأقوال. فالقول يؤديه شخص واحد، ويمكن أن يحدث حتى في غياب المتلقي. أما الإسهام بمعناه التكنيكي الجديد فهو عمل مشترك لا يمكن لشخص واحد القيام به، يقوم به متكلم حاضر بالتفوه بأقوال يؤكد السامع فهمه لها بشكل كافٍ، ولكي تستمر المحادثة يجب أن يحصل المتكلم على توكيد إيجابي من السامع أنه فهم المقصود من الأقوال بشكل كافٍ،وبدون هذا التوكيد سيفترض المتكلم وجود خلل في المحادثة وسيحاول تصحيحه. وفي أغلب الأحيان يشمل التوكيد في المحادثة بالإسهام القول مضافاً إليها أدوات التوكيد التي عادة ما تشمل الانتباه المستمر عن طريق إشارات تعبر عن رأيه في القول الذي يسمعه المتلقي، والتقدير كقول حقاً أجل وما يشبه ذلك، وتعبير الوجه، والتمهيد لإسهام لاحق ، والبرهان، والإكمال والعرض. ويستعرض المؤلف القواعد الخفية للمحادثات اليومية، حيث يقول : إن المبدأ التعاوني في المحادثات هو مبدأ عام نوعاً ما، واشتق منها غريس الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني مبادئ أكثر نوعية بفحص نتائج المبدأ التعاوني تحت أربعة عناوين مختلفة هي : الكمية والكيفية والعلاقة والأسلوب، ويورد بعض الحكم ذات شأن في المحادثة حيث يقول :»اجعل إسهامك مليئاً بالمعلومات إلى الدرجة المطلوبة، حاول أن يكون إسهامك إسهاماً حقيقياً، ولا تقل ما تعتقد أنت أنه خطأ، ولا تقل شيئاً لا تملك عنه البرهان المناسب، وكن في محادثاتك وثيق الصلة بالموضوع ، وكن واضحاً وتجنب غموض التعبير وتجنب الإبهام وأوجز وكن منظماً. ويورد المؤلف الدرجات الخمس للمهارة حيث تبدأ بمرحلة المبتدئ ثم المبتدئ المتقدم ثم مرحلة الكفاءة ثم مرحلة الممارسة العملية وأخيراً مرحلة الخبير، بعدها يشرح في شرح معنى الخبير الحقيقي وكيف تطور الخبرة،ولماذا لا يمكن تعليم الخبرة. ومن خلال استعراضي الكتاب أرى أنه من الجدير لكل شخص يطمح الى تطوير مهاراته المعرفية والعلمية والاستفادة القصوى من طاقاته قراءة الكتاب، كون هذا الكتاب يضعك على الأسس الواضحة التي تستطيع من خلالها تحويل معلوماتك إلى معارف لتستفيد منها الاستفادة القصوى.