صالحة العسيري


يمرّ الإنسان بمراحل كثيرة في حياته، وكل مرحلة تترك أثرًا خفيًا في داخله؛ أثرًا لا يظهر دائمًا في الملامح أو الكلمات، لكنه يتراكم بصمت حتى يصبح جزءًا من شخصيته. ومع مرور السنوات، يبدأ سؤال قديم بالتسلل إلى أذهاننا: هل تغيّرنا فعلًا؟ أم أننا فقط أصبحنا أكثر مهارة في إخفاء ما نشعر به؟
في الطفولة، تكون المشاعر واضحة وصادقة إلى حدٍّ مذهل؛ فالطفل يبكي حين يحزن، ويضحك حين يفرح، ويعبّر عن خوفه أو غضبه دون حسابات معقدة. لا يعرف الأقنعة، ولا يخشى الأحكام. لكنه مع الوقت يبدأ بتعلّم قواعد العالم: «لا تبالغ في حساسيتك»، «كن قويًا»، «لا تُظهر ضعفك»، «تصرّف بعقلانية». وهكذا، شيئًا فشيئًا، يبدأ الإنسان في تهذيب مشاعره لا فهمها، وفي إخفائها لا التعبير عنها.
قد يبدو الأمر وكأنه نضج، وربما هو كذلك جزئيًا؛ فالنضج الحقيقي يجعل الإنسان أكثر اتزانًا وقدرة على السيطرة على انفعالاته، لكنه أحيانًا يتحول إلى عملية دفن طويلة للمشاعر، حتى يصبح الإنسان غير قادر على التمييز بين ما يشعر به فعلًا وما اعتاد التظاهر به.
كثيرون يعتقدون أنهم تغيّروا لأنهم لم يعودوا يغضبون كما كانوا، أو لأنهم لم يعودوا يشتاقون، أو لأن الخيبات لم تعد تؤلمهم بالطريقة ذاتها. لكن الحقيقة أن المشاعر لا تختفي بهذه السهولة؛ هي فقط تتخذ أشكالًا أخرى. فالشخص الذي كان يبكي بحرقة قد يصبح أكثر صمتًا، والذي كان يواجه الناس بمشاعره قد ينسحب بهدوء، والذي كان يعبّر عن الحب بلا خوف قد يكتفي هذه المرة بالصمت حتى لا يُخذل.
الزمن لا يغيّر جوهر الإنسان دائمًا، لكنه يعلّمه الحذر، ويعلّمه كيف يضع مسافة بينه وبين الأشياء التي تؤذيه. ومع كل تجربة، يبني الإنسان طبقة جديدة حول قلبه، ليس لأنه أصبح بلا مشاعر، بل لأنه تعب من انكشافها.
هناك فرق كبير بين التغيّر الحقيقي وبين التكيّف. فالتغيّر الحقيقي يحدث عندما تتبدّل القناعات، وتتطور طريقة التفكير، ويصبح الإنسان أكثر وعيًا بنفسه وبالحياة. أما التكيّف، فهو ما نفعله كي نستطيع الاستمرار؛ نخفض توقّعاتنا، ونكتم خوفنا، ونضحك رغم الإرهاق، ونقول: «أنا بخير»، بينما تعجّ أرواحنا بالكثير مما لا يُقال.
وربما أخطر ما يفعله الزمن بنا أنه يجعلنا معتادين على الكتمان. في البداية نخفي مشاعرنا لأننا لا نجد من يفهمها، ثم مع الوقت نتوقف حتى عن محاولة شرحها. نصبح أكثر هدوءًا من الخارج، لكن أكثر ازدحامًا من الداخل. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض الناس يتغيّرون فعلًا.
شمعة مضيئة:
هناك من تصنعهم التجارب من جديد، ومن تعيدهم الخسارات أكثر قوة أو أكثر قسوة. فالألم قد يُنضج الإنسان، وقد يطفئ جزءًا منه أيضًا. وبعض القلوب، بعد خيبات كثيرة، لا تعود كما كانت أبدًا.
لكن وسط كل هذا، يبقى في داخل كل إنسان نسخة قديمة منه؛ نسخة حساسة، صادقة، وعفوية، تظهر أحيانًا في لحظة ضعف، أو في رسالة غير مرسلة، أو في دمعة متأخرة، أو في حنين مفاجئ لشخص أو مكان أو زمن مضى. تلك النسخة لا تموت، بل تختبئ فقط خلف ما تعلمناه من الحياة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الصحيح: «هل تغيّرنا؟» بل: «كم جزءًا حقيقيًا منا ما زال حيًا رغم كل شيء؟»
فالإنسان لا يتحول إلى شخص آخر بالكامل، لكنه يتعلم كيف يعيش بأقل قدر ممكن من الانكسار، ويتعلم متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يخفي قلبه حتى لا يصبح هدفًا سهلًا للأذى. ومع الزمن لا تختفي المشاعر، نحن فقط نصبح أكثر براعة في ارتداء الهدوء فوق العواصف التي بداخلنا.
وفي النهاية، ربما لا نكون قد تغيّرنا بالكامل، ولا تعلّمنا فقط إخفاء مشاعرنا، بل أصبحنا أعمق، وأكثر فهمًا لما نشعر به، وأكثر إدراكًا لما لا يُقال. فالحياة لا تسلب الإنسان قلبه، لكنها تعلّمه أن المشاعر ليست دائمًا للعلن، وأن بعض الأحاسيس تكبر بصمت داخلنا دون أن يراها أحد.
من محطة: هل نتغيّر فعلًا مع الزمن.. أم أننا نتعلّم فقط كيف نُخفي مشاعرنا؟
أحدثكم..»قلمي»
sa1982mu@gmail.com