لم يقتصر عمل شركة أرامكو على الفريق الأول فقط ووضع البرامج له وتطويره، واستقطاب اللاعبين البارزين، بل يتعدى ذلك إلى الفئات السنية التي وُضعت لها برامج نقلتها من مصارعة الهبوط إلى تحقيق البطولات في مشروع يؤكد أن بناء المستقبل يبدأ من القاعدة، وأن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الأسماء فقط، بل في الإنسان، وفي تهيئته نفسيًا وفنيًا ليصبح قادرًا على المنافسة والاستمرار.
الاستقرار والثقة
ما يحدث اليوم في القادسية على مستوى الفئات السنية انعكاس لعمل متكامل يقوم على الاستقرار، والثقة، والدعم النفسي، قبل أي جانب فني آخر. فالفريق الذي كان قبل موسمين يعيش ظروفا صعبة، أصبح اليوم نموذجا للنجاح والاستدامة.
يتحدث الكثيرون عن أن كرة القدم أصبحت علما وهذا ما طبقته أرامكو فعليا ولم تقتصر على التدريب على كيفية ركل الكرة في الملعب.
الصحة النفسية والذهنية
وقد استحدث نادي القادسية قسم “رعاية اللاعبين” خلال موسم 2026، كأول قسم متخصص من نوعه على مستوى الأندية السعودية.
يركز القسم على تطوير اللاعب خارج الملعب عبر 7 محاور:
* التعليم
* الانضباط
* مهارات الحياة
* السلوك الشخصي
* الدعم الأسري
* التغذية
* الصحة النفسية والذهنية
وقد نفّذ القسم برامج تطويرية متعددة، منها:
* محاضرة “الذوق العام”
* اجتماع أولياء الأمور
* ورشة “إدارة الأموال”
* ورشة “بناء الشخصية”
بينما تشمل خطة الموسم المقبل:
* برنامج تعليم اللغة الإنجليزية
* 12 ورشة تطويرية لكل لاعب
* إعداد خطط مستقبلية فردية للاعبين لضمان استدامة تطورهم ورفاهيتهم.
فريق تحت 18 عامًا... بداية من القاع
تكوّن هذا الجيل قبل موسمين ونصف، خلال فترة التسجيل الشتوية لموسم 2023–2024، في وقت كان الفريق يمر فيه بمرحلة معقدة، بعدما فشل في تحقيق أي نقطة خلال القسم الأول، متذيلًا جدول الترتيب، وسط ظروف كانت تُنذر بهبوط مؤكد.
لكن أرامكو والإدارة الفنية تعاملت مع الوضع بعقلية مختلفة، وبدأت عملية إعادة بناء شاملة للفريق عبر استقطاب مجموعة من اللاعبين، والعمل على تعزيز الثقة لديهم نفسيًا قبل كل شيء، وهو ما انعكس سريعًا على النتائج، إذ نجح الفريق خلال القسم الثاني من الموسم ذاته في ضمان البقاء وتحسين مركزه في جدول الترتيب.
الاستقرار يصنع البطولات
في الموسم التالي 2024–2025، استمر الجهاز الفني بقيادة المدرب سنتياغو سانشيز ومساعده عثمان فلاتة، ليبدأ الفريق رحلة مختلفة تمامًا عنوانها الاستقرار والثقة.
حقق الفريق سلسلة انتصارات متتالية، وفرض نفسه منافسًا قويًا منذ الجولات الأولى، قبل أن ينجح في حسم لقب الدوري قبل نهايته بسبع جولات كاملة، في إنجاز يعكس حجم العمل الذي تم داخل المنظومة.
ولم يكن اللقب وحده هو المؤشر اللافت، بل الأرقام أيضًا، بعدما حقق الفريق أعلى معدل نقطي في دوري الفئات السنية للناشئين برصيد 91 نقطة، من أصل 34 مباراة، فاز خلالها في 30 مباراة، وتعادل مرة واحدة فقط، مقابل 3 خسائر.
جيل يواصل الهيمنة
وفي موسم 2025–2026، واصل الفريق حضوره القوي في دوري تحت 18 عامًا، مع استمرار الجهاز الفني ذاته، والمحافظة على هوية الفريق الفنية والنفسية، ليؤكد هذا الجيل أن ما تحقق لم يكن صدفة.
الفريق أعلن رسميًا تتويجه بلقب الدوري قبل النهاية بثلاث جولات، بعدما واصل تصدره للمسابقة حتى الجولة 31 برصيد 78 نقطة، من خلال 25 انتصارًا و3 تعادلات و3 خسائر فقط.
كما سجل الفريق 90 هدفًا، واستقبل 13 هدفًا فقط، ليجمع بين أقوى خط هجوم وأقوى خط دفاع في البطولة، وهو ما يعكس شخصية فريق متكامل يمتلك الجودة والانضباط والثقة.
من الخوف إلى الثقة
النجاحات التي حققها هذا الجيل لا يمكن فصلها عن الجانب النفسي، فالفريق انتقل خلال فترة قصيرة من بيئة تعيش الضغوط والخوف من الهبوط، إلى عقلية تؤمن بالقدرة على المنافسة وتحقيق البطولات.
الاستقرار الفني، والثقة المستمرة باللاعبين، والعمل على تعزيز الشخصية داخل الملعب، كلها عناصر صنعت فريقًا يملك الحضور الذهني قبل المهارة الفنية، وهي النقطة التي تميز المشاريع الناجحة في كرة القدم الحديثة.
القادسية والمنتخب... علاقة جودة
العمل داخل القادسية لم ينعكس على النادي فقط، بل امتد تأثيره إلى المنتخبات الوطنية، حيث وصل عدد لاعبي القادسية المستدعين لمنتخب مواليد 2007 إلى 16 لاعبًا خلال مختلف المعسكرات والبطولات، مع وجود ثابت يقارب 11 لاعبًا في القوائم الرسمية.
وفي بطولة الخليج التي أُقيمت في أبها بداية الموسم الحالي، ساهم 7 لاعبين من القادسية في تتويج المنتخب باللقب، في تأكيد جديد على جودة هذا الجيل، وقدرته على تمثيل الكرة السعودية مستقبلًا.
القادسية يبني عقلية
القادسية اليوم لا يبني فريقًا فقط، بل يبني عقلية، ويؤسس لجيل يعرف كيف ينتصر، وكيف يتعامل مع الضغوط، وكيف يحافظ على استقراره الذهني قبل الفني، ولهذا يبدو المستقبل أقرب للقادسية، بالصحة النفسية قبل أي شيء آخر.