أ. د. مسفر الوادعي


في إحدى القاعات المجهزة بعناية، يجلس عدد من الشباب والشابات في فعالية تحمل عنوانًا جذابًا: تمكين الشباب نحو المستقبل. عروض مبهرة، وضيوف بارزون، وصور تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي توحي بنجاح كبير، مصحوبة بشعارات لامعة ووعود كبيرة بصناعة الأثر. ولكن بعد انتهاء الفعالية، ينتهي كل شيء تقريبًا، فلا تغيير ملموس، ولا مبادرات مستدامة، ولا متابعة حقيقية. هذا المشهد ليس استثناءً، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تفشل بعض البرامج الشبابية في تحقيق أهدافها رغم توفر الدعم والموارد؟
وبدراسة ذلك يتضح أن هناك أسبابًا رئيسية تقف خلف هذا التحدي، لا بد من التعامل معها بوعي ومعالجة حقيقية لصناعة أثر ملموس في حياة الشباب والشابات، وتمكينهم للإسهام في تحقيق برامج ومبادرات الرؤية الوطنية. ومن أبرز تلك الأسباب غياب الفهم الحقيقي لاحتياجات الشباب، فبعض البرامج تُصمم من خلف المكاتب، بناءً على افتراضات عامة دون الرجوع إلى بيانات ميدانية أو إشراك الشباب في تحديد أولوياتهم. والنتيجة فجوة بين ما يُقدم وما يحتاجه المستفيدون فعلاً، فتُنفذ برامج تدريبية على مهارات لا ترتبط باحتياجاتهم، أو لا تعالج التحديات التي يواجهونها في التعليم أو سوق العمل أو بناء المهارات الشخصية. وعندما لا يجد الشاب نفسه في البرنامج، فمن الطبيعي ألا يتفاعل معه.
ومن الأسباب كذلك غياب التوجه الاستراتيجي الواضح لبعض البرامج والمبادرات، إذ تُصمم بعناوين عامة وأهداف فضفاضة مثل «تمكين الشباب» أو «تنمية المهارات»، دون تحديد دقيق للأثر المطلوب: هل هو تطوير مهارة؟ أم تغيير سلوك؟ أم خلق فرص؟ هذا الغموض يجعل بعض البرامج أقرب إلى أنشطة عامة، لا تدخلات مدروسة تقود إلى نتائج قابلة للقياس.
ومن الأسباب البارزة أيضًا التركيز على الحدث بدل الأثر، حيث يُقاس النجاح بعدد الحضور أو التفاعل اللحظي، لا بما يحدث بعد انتهاء البرنامج. كم شابًا وظّف ما تعلمه؟ وكم مبادرة انطلقت فعليًا؟ وكم تغيّر في السلوك أو التفكير؟ هذه الأسئلة غالبًا لا تُقاس بشكل كافٍ، فتتحول البرامج إلى فعاليات موسمية بدل مسارات تنموية مستدامة.
إضافة إلى ذلك، تعاني بعض البرامج من ضعف في تصميم التجربة التعليمية، بالاعتماد المفرط على المحاضرات التقليدية وغياب التفاعل والتطبيق العملي، مما يقلل من أثر التعلم. فالشباب اليوم يحتاجون إلى تجارب قائمة على المشاركة والتجريب والتعلم بالممارسة، لا مجرد الاستماع.
ولا يمكن إغفال عامل المتابعة والاستمرارية، فالأثر لا يُصنع في يوم أو يومين، بل عبر رحلة ممتدة. كثير من البرامج تنتهي بانتهاء الفعالية أو التمويل دون دعم لاحق مثل الإرشاد أو الفرص التطبيقية، فتتلاشى الحماسة سريعًا.
كما تلعب الحوكمة وجودة التنفيذ دورًا مهمًا، فبعض البرامج تُدار بعقلية تقليدية تفتقر للمرونة أو الكفاءات أو مؤشرات قياس واضحة، مما يؤدي إلى تكرار الأخطاء وضعف التحسين المستمر، مع تركيز أكبر على الصورة الإعلامية بدل جودة المحتوى.
وأخيرًا، البرامج الشبابية القادرة على صناعة الأثر هي تلك التي تنطلق من استراتيجيات تنموية واضحة، وتُصمم بمشاركة الشباب أنفسهم، وتُركز على التغيير الحقيقي لا المظاهر، وتستثمر في الاستدامة والقياس. عندها تتحول من فعاليات عابرة إلى تجارب تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الشباب، وتسهم في بناء مجتمع أكثر حيوية وقدرة على المستقبل. فالأثر الحقيقي لا يُصنع بالشعارات، بل بالتخطيط الدقيق والتنفيذ الاحترافي والقياس المستمر.
malwadai@kku.edu.sa