د.محمد العرب


لم تعد الحروب تُخاض بالبنادق والمدافع والطائرات ولا حتى عبر حروب التجسس والاتصالات، بل أصبحت تُدار اليوم عبر الكلمات والصور والخوارزميات. ما نشهده في السنوات الأخيرة ليس مجرد اختلاف في الروايات التاريخية أو الثقافية، بل صراع حقيقي على الوعي، على الذاكرة الجماعية، وعلى تعريف الحقيقة نفسها.!
إنها حرب السرديات؛ الحرب الهادئة التي قد لا يسمع دويها، لكنها تعيد رسم خرائط النفوذ بعمق يفوق أحياناً تأثير الحروب العسكرية.
هذا الصراع تصاعد مع التحولات الجيوسياسية الكبرى؛ صعود قوى آسيوية، تغير موازين الاقتصاد العالمي، وتراجع احتكار الغرب للرواية الإعلامية والثقافية. حين تتغير القوة، تتغير الرواية. لذلك نرى اليوم محاولات لإعادة قراءة التاريخ، إبراز جوانب مخفية، أو أحياناً تضخيم أحداث معينة بهدف إعادة تشكيل الصورة الذهنية للحضارات والشعوب. ليست القضية مجرد بحث أكاديمي بريء، بل جزء من معركة النفوذ الرمزي.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دور المسرّع الأخطر في هذه الحرب. سابقاً كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى تتحكم بالسرد، أما اليوم فأي فرد يمكن أن يصنع رواية تنتشر عالمياً خلال ساعات. هذا الانفتاح منح حرية غير مسبوقة، لكنه أيضاً فتح الباب أمام معلومات ناقصة أو انتقائية تُستخدم لتغذية مشاعر الانتماء أو الصراع. كثير من النصوص التي تنتشر الآن لا تهدف لإثبات حقيقة بقدر ما تهدف لتعزيز شعور نفسي جماعي، سواء بالفخر أو بالمظلومية.
في هذا السياق، أصبحت إعادة تفسير الشخصيات التاريخية أداة شائعة. يتم أحياناً إبراز عيوب قادة حضارات معينة لتقليل رمزية تلك الحضارة، وفي المقابل يتم تقديم رموز حضارية أخرى بصورة مثالية لتعزيز الثقة الذاتية لدى جمهور معين. المشكلة لا تكمن في البحث النقدي، فهذا أمر صحي، بل في الانتقائية التي تحوّل التاريخ إلى أداة تعبئة نفسية بدلاً من كونه مجالاً للمعرفة.
الذكاء الاصطناعي دخل بقوة إلى هذه المعركة، وربما سيكون العامل الأكثر تأثيراً في السنوات المقبلة. الخوارزميات باتت تحدد ما نقرأ ونشاهد، بل ويمكنها إنتاج محتوى كامل يصوغ سرديات مقنعة للغاية. هذا يعني أن حرب السرديات ستصبح أكثر تعقيداً، لأن المتلقي قد لا يميز بسهولة بين التحليل الموضوعي والمحتوى المصمم للتأثير النفسي أو السياسي.
لكن الخطر الحقيقي ليس في وجود سرديات متعددة، فالتنوع طبيعي، بل في فقدان القدرة على التمييز بين الرواية والتحقق العلمي. عندما تتحول كل معلومة إلى أداة صراع، يصبح الوصول للحقيقة أكثر صعوبة، ويصبح الجمهور أكثر عرضة للتوجيه غير الواعي. وهنا تظهر أهمية الوعي الإعلامي، والقدرة على قراءة السياق لا النص فقط، وفهم الدوافع خلف نشر المعلومات.
الحضارات الواثقة لا تحتاج إلى شيطنة الآخرين ولا إلى تمجيد ذاتها بشكل مبالغ فيه. القوة الحقيقية تكمن في الثقة المعرفية، في الاعتراف بالتعقيد الإنساني، وفي فهم أن التاريخ ليس أبيض أو أسود بل مساحة واسعة من التفاعلات البشرية. هذا الفهم هو ما يحصّن المجتمعات من الانجرار وراء سرديات متطرفة أو مبسطة.
في النهاية، حرب السرديات ليست شراً مطلقاً ؛ فهي تعكس حيوية المجتمعات وسعيها لفهم ذاتها. لكن إدارتها بوعي واحتراف هي التحدي الحقيقي.
mohalarab75@gmail.com