يختصر الحديث عن جيل زد غالبًا في كونه جيل «التيك توك» والهواتف، وكأن هذه هي هويته الكاملة، لكن هذا الاختزال لا يعكس حقيقة جيل نشأ في زمن مليء بالتغيّرات السريعة، والضغوط، والانفتاح غير المسبوق على العالم، جيل زد ليس جيلًا سطحيًا كما يُصوَّر، بل جيل شديد الوعي، حتى وإن اختلفت طرق تعبيره.
جيل زد أو «Generation Z» ويُعرفون بكونهم أول جيل «رقمي» نشأ مع الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي. يتميز هذا الجيل بالاعتماد على التكنولوجيا، الوعي الاجتماعي والبيئي، وتفضيل التواصل الفوري، مما يجعلهم قوة مؤثرة في سوق العمل والاستهلاك، لم يعرفوا العالم قبل الإنترنت، والوجود الرقمي جزء لا يتجزأ من حياتهم، يعتمدون بشكل كبير على شبكاتهم الاجتماعية في التفاعل وتفسير المعلومات، يميلون نحو الموضة المستدامة، إعادة التدوير، كما انهم بدأوا في دخول سوق العمل، حاملين معهم توقعات جديدة لطريقة التوظيف والعمل.
كما أن جيل زد يعتبر أول جيل وُلد وفي يده هاتف ذكي، وتعلّم قبل أن يكتب، وبحث قبل أن يسأل، بالنسبة له، الإنترنت ليس أداة، بل بيئة حياة، هذا القرب من التقنية جعله أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الوصول للمعلومة، لكنه في الوقت نفسه أكثر حساسية تجاه القضايا النفسية، والضغط، وتوقعات المجتمع على عكس الأجيال السابقة، لا يسلّم جيل زد بالمسلّمات بسهولة. يسأل كثيرًا: لماذا؟ وكيف؟ وهل هذا منطقي؟ هذه الأسئلة لا تعني التمرد بقدر ما تعكس رغبة حقيقية في الفهم، جيل زد لا ينجذب للسلطة لمجرد أنها سلطة، ولا يحترم الفكرة إلا إذا كانت مقنعة، مهما كان مصدرها.
كما يتميز هذا الجيل بوعيه العالي بالصحة النفسية، لم يعد الضغط أو الإرهاق أمرًا طبيعيًا يجب تجاهله، بل موضوعًا يُناقش بصراحة، قد يُفسَّر هذا أحيانًا على أنه ضعف، لكنه في الواقع انعكاس لجيل يحاول كسر دائرة الصمت، والبحث عن توازن حقيقي في عالم مرهق.
جيل زد أيضًا جيل التجربة، لا يخاف من تغيير رأيه، أو مساره، أو حتى هويته المهنية. لا يرى الفشل نهاية، بل مرحلة. قد يبدو مترددًا للبعض، لكنه في الحقيقة يرفض الالتزام بشيء لا يشبهه، حتى لو تأخر.
جيل زد ليس أفضل من الأجيال التي سبقته، ولا أقل منها، بل هو نتاج مرحلة مختلفة وظروف متغيّرة، جيل يتعلّم بسرعة، يتكيّف مع الواقع بوتيرة عالية، ويعيد تشكيل أفكاره باستمرار، ورغم التحديات والضغوط التي تحيط به، يواصل محاولاته لفهم نفسه والعالم من حوله، ساعيًا إلى رسم طريقه الخاص، لا كما يُراد له، بل كما يراه هو مناسبًا لطموحه وقيمه.
mahaalju3@gmail.com