حسن السبع

حسن السبع

ذات يوم تمنى فيليب والد الاسكندر، الفاتح الكبير، لو أن ابنه قد كرس حياته في دراسة الفلسفة. فالتاريخ الحقيقي هو تاريخ الأفكار وليس الأحداث. والقوة بلا معرفة خطر. قيل إن الاسكندر نفسه قد صرح قائلا: «لو لم أكن الاسكندر لتمنيت أن أكون ديوجين»! وللدكتور عبد الغفار مكاوي كتاب بعنوان (تجارب فلسفية) يتحدث فيه عن الفلسفة ومستقبل قريتنا الأرضية، وعن دور المتفلسف لإنقاذ الإنسان من نفسه، وإيقاف اندفاعه إلى الجنون المدمر، وكيف يمكن أن يساعد الفلاسفة في حماية السفينة البشرية من الغرق المتوقع. ويقترح مكاوي في هذا السياق تأسيس «فلسفة بَعدية» تحلل وتراجع الفلسفات المتباينة، وتجدد مسيرة الحركة الإنسانية، وتؤكد قيمها الأساسية في التنوير والتحرير والتقدم. لكنه يستدرك قائلا: «ومع أن هذه الآمال تبدو (يوتوبية) حالمة.. فإن أحلامها غير مستحيلة». كل حلم خارج مدار يوتوبيا الوهم والجنون بمختلف ألوانه ولافتاته هو حلم مشروع. للفلاسفة والفنانين أن يحلموا كيفما شاءوا لأن الأحلام الخيرة لا تعارض. وبما أنهم لا يفرضون أحلامهم بالقوة، ولا يستخدمون في سبيل تحقيقها الإكراه، فأهلا بهم إلى عالم البشر الحافل بالأحلام. وعندما يقول مكاوي عن تلك الأحلام انها «غير مستحيلة» فقد يكون محقا. لقد جرب الناس من قبل المُحال على شكل يوتوبيا سياسية تحمل فيروس فشلها معها. وجربوا الفشل الذي منيت به مشاريع الطوباويين خلال القرن الماضي. وكان التناقض الحاد بين النظرية والممارسة، والاكتفاء بالمظهر بديلا عن الجوهر هو ما طبع تلك المرحلة التاريخية التي ازدهرت فيها يوتوبيا الفشل. فقد تبنت صيغا أيدلوجية ثابتة، وأغفلت معطيات الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي المتغير. وابتعدت عن جوهر القضايا إلى تفاصيل لا تخدم القضايا المختلف عليها بقدر ما تكرس الاختلاف، وتزيد الشق اتساعا. كما تبنت مشاريع وتطلعات بقيت حبيسة البيانات الإنشائية، وربما تراجع عنها سدنتها راضين من الغنيمة بالإياب. واتخذت تلك الطوباويات مواقف مسبقة من كافة القضايا، وإجابات جاهزة، تتجاهل المستجدات، ولا تراعي تغير الأحوال والظروف. حيث لا مكان للبحث والسؤال والاستقصاء والفضول المعرفي. فالأسئلة المتعلقة بهذا العصر تقابلها أجوبة لا تناسب مقتضيات العصر وظروفه وأحواله الراهنة. بعض اليوتوبيات اكتفت بالعيش في الماضي والسماح لذلك الماضي بإدارة الحياة الحاضرة. فوق ذلك فقد عجزت عن المنافسة العلمية والفكرية، وعن الإضافة إلى المنجز الحضاري الإنساني، وقبلت أن تكون مستهلكة لا منتجة. ثم إنها قد كرست جهودها وثرواتها لمشاريع القوة والترسانة العسكرية بدلا من مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وصنعت لها عداوات وهمية، وخاضت في سبيلها معارك عبثية أتت على اليابس والأخضر. وغيَّبت الحس العقلاني النقدي والتشخيص الموضوعي، وعجزت عن ربط الأسباب بالنتائج، وبحثت بدلا من ذلك عن أسباب وهمية واهية لتبرير الفشل. بحثت عن طرف آخر لتلقي اللائمة عليه، أو عن (شيطان) تحمله مسؤولية أزماتها السياسية والاجتماعية والفكرية. ورفضت، بمكابرة تثير الشفقة، كل ما يأتي من الخصوم باعتباره شرا مطلقا، حتى لو كان نافعا ومفيدا، وبذلك تكون قد فرضت على نفسها حصارا من العزلة والانكفاء على الذات، وعدم التماس أو التفاعل الخصب مع تجارب الآخرين. ليس هذا فحسب، بل اعتمدت، حتى في حالة النكوص والتراجع، خطابا إنشائيا يتكئ على الحط والتهوين من قدرات الآخرين للتغطية على ضآلة الذات. فهذا الخصم «نمر من ورق»، وذلك الخطاب «زوبعة في فنجان». مع اختلاق قصص وهمية تخدم تلك التهويمات. كان ذلك بمثابة تزييف للوقائع، وإعطائها مسميات لا تطابق طبيعتها. فالهزيمة تصبح نكسة، والاندحار (كر وفر). وحالة الجمود (صمود وتصدٍ) إلى آخر المفردات التي تطيِّب الخاطر، وتمنح المرء إحساسا بالطمأنينة والرضا عن النفس. كما بقيت ذاكرة تلك الكيانات مثقوبة لا تستفيد من تجارب ماضيها، ولا تقرأ تجارب الآخرين بغية الاستفادة منها. لذلك كان التاريخ يعيد نفسه باستمرار. كانت مهمة النخبة المنظِّرة، آنذاك وإلى الآن، المباركة والتصفيق لأنها لا تمتلك زهد ديوجين ولا جرأته. فهل يصلح عطَّار الفلسفة ما أفسده دهرُ المغامرين؟ أم أن تلك مجرد اقتراحات طوباوية حالمة عصية المنال. ربما، لكننا لا نملك إلا أن نشارك الدكتور مكاوي تفاؤله.hsn_saba@hotmail.com