حين تصبح الحقوق بوصلة الحياة، الإنسان مركز الديمومة والاستدامة، أن تكون ديمومة الحياة قائمة على حقوق الإنسان وواجباته، فهذا يعني أن الإنسان لم يعد تفصيلاً في هامش السياسات أو رقماً في جداول الاقتصاد، بل صار هو المركز الذي تدور حوله عجلة الحياة، وتُقاس به جودة التنمية، وبه تُختبر أخلاق الدول قبل قدرتها على النمو. فالحياة التي لا تستند إلى منظومة حقوق واضحة، وواجبات مُلزمة، تظل قابلة للانكسار عند أول أزمة، بينما الحياة المؤسَّسة على الكرامة والعدالة تتحول إلى مشروع طويل الأمد قادر على التجدد والاستمرار.
تُظهر التجربة الإنسانية المعاصرة أن حقوق الإنسان لم تعد خطاباً مثالياً، بل شرطاً عملياً للاستقرار. تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن أكثر من 85% من أهداف التنمية المستدامة ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحقوق الإنسان، وأن الدول التي حققت تقدماً ملحوظاً في التعليم والصحة والمشاركة المجتمعية هي ذاتها التي وضعت هذه الحقوق في قلب سياساتها العامة. فحين يُضمن الحق في التعليم، ترتفع إنتاجية الفرد، وحين يُصان الحق في الصحة، تنخفض كلفة الأزمات، وحين تُحترم العدالة، تتراجع معدلات العنف وعدم الاستقرار.
لكن الحقوق، في جوهرها، لا تكتمل من دون واجبات. فالمعادلة الإنسانية لا تقوم على المطالبة فقط، بل على الالتزام أيضاً. واجب احترام القانون، وواجب صون حقوق الآخرين، وواجب المشاركة في بناء الصالح العام، هي الأضلاع المكملة لمثلث الحياة المستدامة. ومن دون هذا التوازن، تتحول الحقوق إلى عبء على الدولة، أو إلى فوضى اجتماعية تفرغها من مضمونها الأخلاقي.
وعند الانتقال إلى المقارنة الدولية، تتجلى الفروق بوضوح. فالدول التي تصدّرت مؤشر التنمية البشرية لعام 2024 – مثل دول شمال أوروبا – هي نفسها التي سجلت أعلى معدلات الثقة بين المواطن والمؤسسات، وأدنى نسب الفقر والبطالة، حيث تقل نسبة الفقر في بعضها عن 6%، مقابل أكثر من 30% في دول تعاني من ضعف حماية الحقوق الأساسية. كما تُظهر بيانات البنك الدولي أن الدول التي تتمتع بمستويات عالية من سيادة القانون تجذب استثمارات أجنبية أعلى بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بدول تتراجع فيها الحريات المدنية واستقلال القضاء.
في المقابل، تكشف تقارير دولية أن غياب الحقوق، أو تقييدها، لا ينعكس فقط على الأفراد، بل على الاقتصاد ذاته، حيث ترتفع كلفة النزاعات، وتتآكل الثقة، وتتراجع فرص التنمية المستدامة. ولهذا، لم يعد احترام حقوق الإنسان خياراً سيادياً ضيقاً، بل معياراً دولياً لقياس نضج الدول وقدرتها على البقاء في عالم شديد التنافس.
من هنا، فإن ديمومة الحياة التي تفرض نفسها، لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالثروة المجردة، بل بإنسانٍ مُكرَّم يعرف حقوقه كما يعرف واجباته، ودولةٍ تدرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد وحدها، بل في الإنسان بوصفه أصل التنمية وغايتها. في هذا التوازن العميق، تتجسد الحياة كقيمة مستمرة، لا كزمنٍ عابر.
إعلامية وباحثة أكاديمية
suhier8@icloud.com