كشف تقرير معهد رويترز للصحافة 2025، أن الإعلام يمرّ بمرحلة تحوّل حادة، ليس أبرز ملامحها تراجع متابعة الأخبار التقليدية، وزيادة هيمنة المنصات الرقمية وصنّاع المحتوى واستعمال الذكاء الاصطناعي حتى من الصحافيين، لكن البارز هو تنامي أزمة الثقة لدى في الجمهور في صدقية الأخبار. ووفق التقرير، فإن أقل من نصف الجمهور عالميًا يثق بالأخبار، بينما أقرّ أكثر من 50٪ بصعوبة التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة على الإنترنت. ورغم هذا المشهد القاتم، برزت مؤسسات صحافية استطاعت تحقيق أرباح ونمو مستدام، ما يطرح أسئلة جوهريًا: من نوع كيف نجحت هذه النماذج؟ وهل تراجعت قيمة الخبر الذي ظل طوال سنواتها أبرز منتجات الصحافة.
أقوى هذه الأمثلة نيويورك تايمز، التي أثبتت أن فهم القارئ هي أساس الاستدامة. ففي 2025 تجاوز عدد مشتركيها الرقميين 11 مليون مشترك، وحققت نموًا في الإيرادات يقارب 9٪، مدفوعة باشتراكات رقمية لا تعتمد على الخبر العاجل فقط، بل على التحليل والسياق والمنتجات المكمّلة مثل الألعاب والبودكاست والمحتوى الثقافي. هذا التحول جعل الصحيفة أقل تأثرًا بتقلبات الإعلان ومنصات التوزيع.
فاينانشال تايمز البريطانية، واصلت تحقيق أداء مالي مستقر، مستفيدة من محتوى متخصص يخاطب النخب الاقتصادية وصنّاع القرار. ورغم محدودية الأرقام المعلنة، فإن استمرار نمو الاشتراكات يؤكد أن الصحافة المتخصصة عالية القيمة ما زالت قادرة على الربح حين تخدم حاجة واضحة لدى جمهور محدد.
في المقابل، اختارت الغارديان نموذجًا مختلفًا قائمًا على تمويل الوقف والتمويل الجماهيري والتبرعات من أجل دعم الصحافة الصادقة، حيث تجاوز عدد داعميها 1.3 مليون قارئ عالميًا، وحققت نموًا في الإيرادات دون فرض جدار اشتراك صارم. هذا النموذج عزّز استقلاليتها التحريرية، وأثبت أن الثقة يمكن أن تتحول إلى دعم مالي مباشر.
أما في فرنسا، فقد حافظت لوموند على ربحية مستقرة، مع نمو في الاشتراكات الرقمية وتنوّع مصادر الدخل، مؤكدة أن الصحافة الجادة لا تزال تجد جمهورًا مستعدًا للدفع مقابل محتوى موثوق.
عربياً برزت نماذج لصحف متخصصة كمثال عربي ناجح على الاتجاه نفسه. فقد ركزت على تقديم بيانات دقيقة، وتحليلات آنية، ومحتوى يفهم احتياجات المتلقي، ما جعلها مرجعًا مؤثرًا. فمثل هذه النماذج لا تستهدف الجمهور العام، بل تركّز على التأثير المباشر في قرار المستخدم، وهو جوهر الصحافة المتخصصة الناجحة.
ورأيي أن تراجع ثقة الجمهور في الأخبار هو أحد ملامح بروز الذكاء الاصطناعي وشيوع الشائعات والحملات المضللة الممنهجة على السوشال ميديا. عام 2025 لم يكن عامًا لانهيار الصحافة، بل عامًا لفرزها. فالمؤسسات التي طورت من فهمها للجمهور، وقدّمت له منتج يهتم به ويفيده، وبنت علاقة مباشرة معه، استطاعت أن تحافظ على دورها وتحقق الربحية.
waleedalahmmed@yahoo.co.uk