اليوم- الدوحة

بينما تتجه الأنظار صوب ملعب البيت في الخور لمباراة نصف نهائي كأس العرب 2025، يبرز اسم هيرفي رينارد ليس فقط كمدرب يقود المنتخب السعودي في مواجهة كروية صعبة، بل كـ سجل متحرك من الإنجازات والتجارب التاريخية في عالم كرة القدم الدولية. مواجهة الأردن تحمل بعدًا تكتيكيًا ورمزيًا لرجل عرف طريق البطولات وعاش لحظات صنع التاريخ في أكثر الملاعب حساسية وضغطًا.

من إفريقيا إلى آسيا... مسيرة مدرب لا يعرف الخوف


قبل أن يرتبط اسم رينارد بالأخضر السعودي، كان له بصمة قوية في بطولات القارة الإفريقية، حيث نجح في أن يدخل التاريخ كأول مدرب يفوز بكأس الأمم الإفريقية مع منتخبين مختلفين:

بطولة الأمم الإفريقية 2012 مع زامبيا — قاد منتخبًا لم يكن من المرشحين للتتويج إلى اللقب بطريقة مبهرة، عبر ضربات الجزاء في النهائي، في واحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ الكان.

أمم إفريقيا 2015 مع ساحل العاج — كرّر الإنجاز نفسه مع فريق مختلف تمامًا، ليُصبح المدرب الوحيد الذي يرفع لقب الكان مع دولتين مختلفتين.

هذه الإنجازات أكسبت رينارد لقب “سيد البطولات المجمعة” في القارة، لما يتطلبه الفوز في مثل هذه البطولات من قراءة دقيقة للخصوم، وتنظيم دفاعي وهجومي بوقت محدود، واستغلال نقاط القوة بأفضل شكل ممكن — وهو ما يعرف عنه الفرنسي جيدًا.

تحولات تكتيكية تمهّد للانتصار


رينارد ليس مدربًا يعتمد على فلسفة هجومية مفتوحة. أسلوبه يتسم بالتركيز على انتقائية الفرص، تحكّم في إيقاع اللعب، وتنظيم دفاعي قوي. هذه الصفات ظهرت بوضوح عندما قاد السعودية في كأس العالم 2022، خاصة في المباراة التاريخية ضد الأرجنتين التي خطف فيها الفوز 2‑1، رغم الفوارق الفنية الكبيرة بين الفريقين.

هذا الأداء لم يكن صدفة، بل نتاج عقل تكتيكي يقرأ المباراة كحقل صراعات صغيرة داخلها — يعرف متى يضغط الفريق، ومتى يربك الخصم بتحولات سريعة، ومتى يستفيد من أخطاء المنافسين.

القراءة في مباريات “اللاعودة”: كيف يفعلها رينارد؟


في البطولات المجمعة والمواجهات الحاسمة، لا مجال للتراجع ولا وقت للتجارب. هنا يبرز رينارد كمدرب يعرف كيف:

1. يحوّل الضغط إلى حافز:
رينارد يؤمن بأن الضغط في مباريات “اللاعودة” يجب أن يُستغل لتعزيز التماسك وليس لخلق الفوضى. هو يدفع لاعبيه لتحقيق توازن بين الحذر والهجوم المدروس.

2. يقيس اللحظة أكثر من يقيس الكرة:
تحركات اللاعبين وانسيابية خطوط اللعب أقل أهمية من توقيت الانطلاق والتحولات الدفاعية والهجومية — وهذا ما منح منتخباته نتائج إيجابية في اللحظات الحاسمة للعديد من البطولات.

3. يبني فريقًا يثق بنفسه:
صدمة الفوز على الأرجنتين في كأس العالم ما كانت لتحدث لولا ثقة اللاعبين في خطة رينارد وقدرتهم على تنفيذها تحت الضغط.

النهائي ليس فقط هدفًا... إنه امتحان ذاكرة وتاريخ


حين يدخل رينارد مباراته في نصف نهائي كأس العرب، فإنه لا يواجه منتخبًا عربيًا آخر فحسب، بل سجلًا من التحديات والبطولات. هو الرجل الذي بنى مسيرة من الإنجازات في إفريقيا، وحقق انتصارًا عالميًا بطعم التاريخ مع السعودية، ويبحث اليوم عن خطوة أخرى تُضاف إلى سجله الحافل.

هذه المباراة ليست مجرد مواجهة تكتيكية، بل فرصة لتأكيد مفهومه الخاص للبطولات: أن الفوز لا يُصنع فقط بالمهارة، بل بالقراءة الدقيقة للمباراة، بالثقة، وبإدارة اللحظات الحاسمة — وهي نفس القواعد التي قادته للفوز بألقاب قارية ومعارك كروية لا تُنسى.