أتذكر مدينة الدمام كم كانت هادئة الحركة بعدد سكانها الذين يسكنون في أحياء متقاربة، لأن المعيشة حينذاك كانت بسيطة، وكان أهلها اجتماعيون بالفطرة، وكان البيت العود، بيت العائلة الكبير يتكون حينذاك من دور أو دورين، حيث يضم جميع الأسرة الأب والأم والجد والجدة والأولاد، المتزوجون منهم وكذلك العزاب، وتمر السنون متسارعة، وإذا بنا نرى معظم العوائل في هذه المدينة متفرقون، الأب والأم باقيان في البيت العود، أما الأولاد فكل واحد منهم في بيت آخر وربما كل واحد في حي يبعد عن الثاني مسافات كبيرة، وأصبحت العلاقات الاجتماعية بين هذه العائلات وترابطها قليلة.
وفي هذا الصدد حدثني أحد الأخوة بقوله: لماذا لا تسمح أمانة مدينة الدمام بالتمدد العمودي للمنازل السكنية أي بناء أكثر من دورين للمساكن في الأحياء القديمة مكتملة الخدمات بدلاً من الانتشار الأفقي المتمثل بإنشاء أحياء جديدة على أطراف المدينة، مما يحمل الدولة تكاليف توصيل الخدمات لهذه الأحياء، ناهيك عن تأثر النواحي الاجتماعية بسبب تباعد الأحياء والناس عن بعضهم البعض، واستطرد قائلاً لا أخفيك سراً أن لدي بيتاً في حي غرناطة بالدمام مكوناً من دورين فقط، دور أسكنه أنا وعائلتي، والآخر به شقتين مؤجرهما، ولكن هذه السنة قررت أن أزوج أحد أولادي ولا أريده أن يبتعد عني فقررت أن أنذر أحد المستأجرين بإفراغ الشقة لكي يحل محله ولدي مع العلم بأنني محتاج لدخل هذه الشقة ليساعدني في أمور الحياة المعيشية، وأضاف يقول لقد بنيت هذا البيت على أساس متين يتحمل لثلاثة أدوار، ولكن مع الأسف الشديد لم تسمح لي البلدية حينذاك إلا بدورين فقط، وهذه ليست مشكلتي فقط، إنها مشكلة أهل الحي كله من سكان ومستثمرين، وهناك أحياء كثيرة أخرى بالدمام غير مسموح فيها ببناء أكثر من دورين فقط.
وللمعلومية، فإن الأفراد الذين يعيشون في مدن تتوسع بشكل عمودي تقل نفقاتهم الاستهلاكية عن أولئك الذين يعيشون في مناطق تتوسع أفقياً، قد يقول كثيرون إن تطبيق التوسع العمراني بالطريقة العمودية هو حل مستحيل، وهذا غير صحيح، عطفاً على مساحات الأراضي غير المُطوَّرة في قلب النطاق العمراني، والتي من الممكن الاستفادة منها في تطبيق هذا النوع الذكي من التوسع، ولا ننسى دور وزارة البلديات والإسكان في إعادة النظر بلوائح وتنظيمات البناء، بحيث يتم استبدال العمارات التي لا تزيد على ثلاثة طوابق، بعمارات حديثة تحوي طوابق أكثر.
k_barshaid@yahoo.com