سعود القصيبي


من منا سمع بالخناجر أو الجنبية كما يطلق عليها البعض. ولا نزال نرى بعض المشاهد المختلفة من الارتداء اليومي في أنحاء جزيرة العرب من التباهي والخيلاء حتى أن البعض جعلها شعارا لبعض دولها. إلا أنه يمثل تغير الزمان فقد بات يحتضر ويعد من الصناعات الشبة مندثرة حاليا في واحة الأحساء، ولم يتبقى من صناعها الأحسائيين إلا أقل من أصابع اليد الواحدة آخرهم لما سألنا عنه قيل إنه أصبح في منزله بعد تركه ورشته على كبر سن.
وتعد الخناجر في الأحساء بالقديم من أعرق وأدق الحرف التراثية، وتمثل امتدادًا لتاريخ طويل من المهارة الموروثة جيلاً بعد جيل، إذ كانت الخناجر جزءًا من الحياة اليومية للرجال بالأحساء وكذلك في الجزيرة العربية تستخدم للحماية والزينة وأحد أنماط الرموز الاجتماعية. ومع الوقت، تطورت هذه الصناعة في الأحساء حتى أصبحت فنًا قائمًا على المهارة والدقة، كذلك تلك الزخرفة المستوحاة من حرفة الذهب والفضة المعروفة قديما بالأحساء، ومن أنماط الزخارف الجدارية الجصية المحلية.
اشتهرت الأحساء قديماً بأعمال الصاغة من الذهب والفضة الا أن هذه الأعمال اندثرت وغاب من يمتهنها مع تقادم الزمن، إلا أنها بازدهارها أخرجت أحد أشهر أنماطه وهو الخنجر الديجاني الاحسائي الذي يعد أحد أكثرها واقتناء. ولم يكن هذا النوع من الخناجر مجرد سلاح تقليدي، بل تحفة فنية متوارثة تعكس مهارة الحرفي ودقّة الصناعة. كما ارتبط أيضا هذا النوع من الخناجر بالوجاهة الاجتماعية، وأصبح علامة مميزة في المناسبات والاحتفالات الرسمية والشعبية. ففي الثقافة الأحسائية القديمة وفي الخليج العربي كان للخنجر رموزًا عديدة، فهو رمز للشرف والكرم والبطولة يرتديه الرجال في الأعراس وفي المناسبات وفي أعمالهم اليومية. وكان يُعلَّق على الخاصرة من الوجهاء والجند، للإشارة على الجاهزية. ولم يكن الهدف منه القتال فحسب، بل أيضًا إبراز مكانة الرجل وهيبته في المجتمع.
ومن أشهر أنواعه بالأحساء الخنجر الديجاني الذي يتميز بانحناء معتدل وزخرفة دقيقة من الفضة وهو يختلف عن الخنجر العربي التقليدي البسيط التصميم المعروف بقوة الاستخدام. وتمر صناعة الخنجر الأحسائي بعدة مراحل تتطلب خبرة وصبرًا كبيرا، ففي بدايتها كمرحلة يتم اختيار المواد الخام من الحديد المناسب لصنع النصل.
أما المقبض فيُختار من مواد فاخرة مثل قرن الغزال أو العاج أو الخشب القوي. ولتشكيل النصل يتم تسخين الحديد في النار حتى يحمر، ثم يُطرق على السندان لتشكيله يدويًا. ويُصقل حتى يصبح حادًا ومتوازنًا. ثم يشكل المقبض بما يتناسب مع يد المستخدم،
ويُثبت بإحكام في قاعدة النصل. أما الغمد او الجراب تغلف اطرافه بالجلد والفضة، وتُضاف عليه نقوش زخرفية مميزة تجمع بين الفن العربي من زينة الذهب والفضة مع الثقافة والتراث المحلي مما يميزها.
إلا ان التقادم وضعف الطلب أدى الى عزوف الكثيرين عن مهنة الخناجر الديجانية الأحسائية ومن الخناجر بشكل عام وبمن يعرف صناعتها. وبوسط الحداثة والمدنية أصبح الخنجر جزء من التراث والقصص والروايات القديمة لا يعرف عن ماضيها من الجيل الحديث إلا اقل القليل، وما نشاهده ببعض الأسواق منها هي خناجر مستوردة تستعمل كزينة غالبها لا يعبر بالضرورة عن الهوية والثقافة والصناعة المحلية. كما بالإضافة أن الخنجر الديجاني المحلي غائب عن المشهد الثقافي والأسواق بسبب قلة مهنييها والباحثين من الدارسين في صناعتها. وتظل مهنة صناعة الخنجر الدجاني الاحسائي أحد أمثلة التراث الوطني القديم الذي قارب على الاندثار.
abuaziz@gmail.com