حسن السبع
«يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال».. وعندما صدر قرار وزارة الثقافة والإعلام بتعيين أعضاء مجلس إدارة النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية، كان الأستاذ نجيب الزامل أحد العشرة المعينين بالمجلس، لكنه كان ممن تكلموا في حفل تكريم رئيس النادي السابق الأستاذ عبد الرحمن العبيد، وكنتُ (أنا) كذلك واحدا من المتكلمين .. قلت في كلمتي: «من علامات النضج أن يعترف المرء بريادة من سبقوه في أي مجال، وإن اختلفت اجتهاداتهم عن اجتهاداته .. وعلى الثقافة التي نحمل رايتها أن تهذب نفوسنا أولا.. فقد ينتسب إلى الوسط الثقافي من لا يستطيع أن يجمع بين الثقافة والتواضع، أو بين الثقافة والتواصل مع الآخرين.. إنه مثقف ورقي لا يستطيع أن يتنفس خارج حدود الورقة التي يكتب عليها».. لكن نجيب الزامل نموذج آخر مختلف.. فهو يجيد الاختلاف، كما يحسن التواصل والتواضع .. وعندما أتحدث عن تواضعه ينبغي أن أربط ذلك التواضع بحس الدعابة لديه، وقد قيل: «من كانت به دعابة فقد برئ من الكِبْر».إذن، كان الأستاذ نجيب الزامل أحد أعضاء مجلس إدارة النادي المعينين بالقرار الوزاري الصادر عام 1427، لكنه انسحب من المجلس مبكرا، بعد جلستين ربما.. لأسباب وجدها وجيهة.. وكنت من الذين رجوه وألحوا في الرجاء كي يسعدنا بوجوده معنا، لكنه رأى غير ذلك .. لم يكن الماء عكرا.. لكن بعضهم أبى إلا أن يعكّر الماء كي يخوض فيه.. فقطع نجيب قول كل خطيب، عندما كتب مقالا بعنوان (زملاء النادي .. وأنا.. والحق..) اعتبر فيه أن الاختلاف في الرأي مع الزملاء من فريق العمل حق، لكن إعلان أسباب ذلك الاختلاف على الملأ تصرف بعيد عن الذوق والأخلاق .. ولم يكتف بهذا بل راح يتحدث عن زملائه من أعضاء مجلس الإدارة بشكل منصف. يكاد يكون مثل هذا الموقف نادرا في الوسط الثقافي .. كما أن ذلك الصفاء النفسي نادر أيضا.. فهنالك من يعمل بمبدأ: «إذا لم أكن معكم فأنا ضدكم».. لا أريد أن أضرب أمثلة على ذلك.. ولعلكم قد تابعتم ذلك اللغط الذي صاحب تعيينات مجالس الإدارة في كافة الأندية الأدبية .. وما صاحب ذلك من تصريحات وبيانات ومقالات صاخبة.. لقد حكم بعضهم على المجالس الإدارية بالفشل، قبل أن يعقد أعضاؤها الجلسة الأولى (!!) .. تعجبني عبارة لأدونيس تقول: «الخصم الجميل والعميق والذكي هو صديق آخر».. لأنه خصم يجيد فن الاختلاف. قد يقول قائل: لقد عرف نجيب الزامل كيف يتعامل مع المسألة في وقتها بطريقة براغماتية ذكية.. طيب دعونا نتذاكَ مثلكم ونفترض ذلك الافتراض.. لكن ما الذي يدفع الرجل، وبعد مضي ثلاث سنوات (إلا قليلا) من عمر المجلس لكي يكتب مقالا آخر بعنوان: (السعادة أن تفخر بمن يمثّلك: النادي الأدبي مثالا) يتحدث فيه عن التهذيب قائلا: «إن التهذيبَ جوهرةٌ نادرةٌ يملكها النادي عفواً لظرفِ تلاقي مجموعةٍ من الناس المهذبين، وهذا يجعلنا من الفخورين فعلا». أعود ثانية لأقول: إن على الثقافة التي نحمل رايتها أن تهذب نفوسنا أولا.. وأن تعلمنا كيف نحب، وكيف نتعامل مع من حولنا. وكيف نكون منصفين مع من نختلف معهم. ما الذي يدفع نجيب الزامل إلى إنصاف زملائه بعد أسبوع من الاختلاف معهم؟ وإلى الرد على من يريد المزايدة والصيد في الماء العكر؟ كان باستطاعته أن يسكت ويدع الآخرين الجاهزين لتأليف الحكايات كي يتحدثوا نيابة عنه. أو أن يملأ الساحة ضجيجا كما فعل غيره، وأن يقاطع فعاليات الأندية الأدبية كما قاطعها غيره، وأن يحكم على فشل أداء أعضاء مجلس الإدارة قبل أن يجف حبر قرار التعيين كما فعل غيره. وأن لا يرى إيجابية واحدة في كل تلك النشاطات. وأن يتجرد من التهذيب كما تجرد غيره.. ثم ما الذي يدفعه إلى الاعتراف بجهود الزملاء الذين غادر مجلسهم قبل ثلاث سنوات ؟ إنه التهذيب والموضوعية والصفاء النفسي .. ذلك، في اعتقادي، هو السبب. وذلك ما ينقصنا جميعا. أما ما يدفعني إلى كتابة هذا المقال الذي قد يزعج (نجيبا) قبل غيره، فهي النماذج المختلفة المريضة بكل شيء، والتي لا ترى في الوجود شيئا أجمل من ظلها. hsn_saba@hotmail.com