محمد حمد الصويغ
يقال بفضل تأثيرات وتداعيات مايسمى بـ «ثورة الاتصالات» العارمة ان الكون بأسره تحول الى «قرية صغيرة» ويصفه الأكثر تفاؤلا بتقارب البشر وتلاحمهم وتعاضدهم بأنه تحول الى «غرفة صغيرة» لا قرية.. وأظن «كما أرى» أن العكس هو الصحيح.. فاذا كانت تلك الثورة قد حققت بالفعل تطلعات ما يدور في رؤوس المجتمعات البشرية من تقارب وانصهار وتشابك فانها تطلعات لا تخرج عن دائرة «الأوهام» التي ما زالت تعشش في أدمغة الناس. فتلك الثورة أدت الى تنافر الخلق وتباعدهم وتقوقعهم داخل ذواتهم.وأكبر دليل على ذلك أن الجار يكاد لا يعرف جاره «اللصيق به» فضلا عن الجار السابع أو الخامس أو الرابع.. فليس من المبالغة في شيء أن الجــار لا يعرف اسم جاره الملتصق جداره بداره طيلة عشرين عاما أو أكثر.. بل لا يدري ان كان هذا الجار حيا أو ميتا. ولا يهمه أن يعرف ذلك. فهو مشغول بنفسه.. وجاره كذلك.. وقس على ذلك بقية البشر دون استثناء الا «من رحم ربي» وهم قلة على كل حال.. وحينما نفتش عن أسباب هذه «القطيعة» نجد أن ضلعها الأساس يكمن فــي تلك الثورة الاتصالية العارمة التي دخلت كل بيت.. بل كل غرفة من غرفه.هذه الثورة أدت الى «تسمر» البشر لساعات طوال من الليل والنهار أمام شاشات الحواسيب فلا وقت لديهم لزيارة الجار القريب أو البعيد.. ولا وقت لديهم أيضا لاستقبال أحد.. فكلهم «مشغولون» الى ذقونهم في عــوالم الـ «مــواقع» الألكترونيــة الفسيحة التي لا حدود لها ولا سدود.. يخرجون من موقع ويدخلون في آخر دون أهداف مفيدة سوى «التلصص» على الأسرار وتناقل الأخبار و «تضخيمها» داخل «غرف الدردشة» ليصنعوا من «الحبة قبة» ويحولوا تلك الأسرار الى «فضائح» تتناقلها الركبان في كل مكان.ما يعلمه المسلمون علم اليقين أن رسولنا الأعظم عليه أفضل الصلوات والتسليمات وصى بالجار حتى كاد «يورثه» كما جاء في الأثر الشريف.. ومبادئ عقيدتنا الاسلامية حثت على صلة الأرحام فضلا عن صلة الجار والاطمئنان على أحواله وأوضاعه. غير أننا لا نأبه بتلك المسائـل التي نظن و «بعض الظن اثم» أنها عابرة أو سطحية أو تافهة.. بما يدفعني للقول بكل ثقة واطمئنان أننا نعيش اليوم في «زمن رديء» تقدم العلم فيه تقدما «صارخا» وصاروخيا انتهى بنا الى هذه «الثورة الاتصالية» المدهشة ولكنه في ذات الوقت أدى الى توسيع رقعة «القطيعة» بين البشر لتتحول الى «علامة فارقة» أجزم أنها من أهم كوارث هذا العصر ومساوئه.mhsuwaigh98@hotmail.com