لم يعد التسويق في عصرنا هذا مجرد إعلانات تُنشر في الجرائد أو إعلانات تلفزيونية تُبَث بين البرامج وفي أوقات الذروة، بل أصبحنا اليوم أمام ثورة رقمية قلبت موازين الإعلام والتسويق رأسًا على عقب وغيرت قواعد اللعبة كليًّا، حيث أصبحت البيئة الرقمية مساحة تفاعلية مفتوحة حولت المستهلك من متلقٍّ سلبي إلى طرف فاعل يساهم في تشكيل الصورة الذهنية للمنتجات والعلامات التجارية ويمتلك القدرة على التفاعل والتأثير برأيه وهذا التحول أجبر المؤسسات والشركات أن تدرك أن المعادلة الجديدة لم تعد قائمة على حجم الميزانية الإعلانية، بل على مدى قدرتها على صناعة محتوى جذاب وهادف يصل مباشرة إلى جمهوره المحدد ليؤثر في سلوكياته الشِرائية، اليوم أصبحت المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي تلعب دور الوسيط الأكبر بين المعلن والجمهور.
وباتت مواقع التواصل الاجتماعي تحديدًا مساحة مفتوحة لتجربة أشكال جديدة ومتنوعة من الترويج والإعلان، تقوم غالبًا على التفاعل المباشر مع الجمهور، وسرعة الوصول للفئات المستهدفة، والتأثير النفسي القائم على القرب من حياة الناس اليومية وهنا يظهر ما يُعرف بـ»التسويق عبر المؤثرين»، حيث لم يعد الإعلان مجرد رسالة تُرسل من شركة إلى عميل، بل أصبح تجربة حية يشارك فيها المستهلك نفسه، ويعبر عن آرائه ويسهم في عملية الترويج من خلال التعليقات والمشاركة وإعادة النشر.
وتحديدًا في وسط هذا الزخم الإعلامي، تبرز أهمية ومسؤولية الإعلام في ضبط إيقاع هذا التحول، فالمحتوى الرقمي يحتاج إلى معايير مهنية وأخلاقية تضمن ألا يتحول هذا التأثير إلى تضليل، وأن يظل التسويق وسيلة لدعم الاقتصاد وتعزيز ثقة المستهلك لا لاستغلاله.
وأخيرًا، على الرغم من الثورة الرقمية لم تُلغ الأساليب التقليدية كليًا، لكنها أرغمتها على التكيف. ومن لا يدرك أن المستقبل بات مرهونًا بالقدرة على الجمع بين أصالة الإعلام ورشاقة التقنية، سيجد نفسه خارج اللعبة في عالم لا يعترف إلا بمن يتقن فن التأثير الرقمي.
Munira1lqahtani@gmail.com