ترتبط القهوة بالإرث الثقافي للمملكة العربية السعودية، عبر تاريخ حافل بالعادات والتقاليد، وقيم الكرم والضيافة، والحضور الإنساني والجمالي والفني في الأغاني والقصائد واللوحات، حتى أصبحت عنصرًا رئيسًا في الثقافة والموروث الشعبي السعودي، وعلامة ثقافية تتميز بها المملكة، سواء من خلال زراعتها، أو طرق تحضيرها وإعدادها وتقديمها للضيوف.
ومن منطلق المكانة العالية لهذا الرمز الثقافي والوطني، جاءت تسمية عام 2022 ''عام القهوة السعودية'' من قبل وزارة الثقافة، بدعم من برنامج جودة الحياة، أحد برامج تحقيق رؤية المملكة.
تعد المملكة من بين أكثر 10 دول في العالم استهلاكًا للبن، إذ يتجاوز استهلاكها السنوي 80 ألف طن، ويبلغ معدل إنفاق السعوديِين على إعداد القهوة أكثر من مليار ريال.
تحقيق الاكتفاء الذاتي من البن
وعملت وزارة البيئة والمياه والزراعة، على إكثار زراعة البن، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الناتج المحلي مستقبلًا ورفع العائد الاقتصادي، للإسهام في رفع الناتج المحلي غير النفطي وفق خطط وأهداف رؤية المملكة 2030، ما يزيد المملكة تميزًا بالقهوة زراعة وتحضيرًا وتقديمًا بلون ومذاق مختلفين في مختلف مناطقها، وتقديمها للضيوف بطرق وأساليب متعددة، ما يمنح القهوة السعودية خصوصيتها وعمقها الثقافي الفريد.
خطوات تقديم القهوة قديمًا
لخطوات تقديم القهوة قديمًا مسميات محددة، تكاد تكون اندثرت اليوم، وهي مسميات ارتبطت دلالاتها القديمة بالتراث المحلي، فالفنجان الذي يشربه المُضيف أمام ضيوفه قبل التقديم لإثبات سلامة القهوة، يسمى "الهيف".
وعرفت خُطوات تقديم القهوة قديمًا بمسميات اندثرت اليوم، وارتبطت دلالاتها القديمة بالتراث المحلي، فمثلا يُطلق اسم فنجان "الهيف" على الفنجان الذي يشربه أما فنجان "الكيف" فهو فنجان يحتسيه الضيف متلذذًا بطعم القهوة ويتبعه فنجان "الضيف" الذي يرمز للكرم ومكانة الضيف، ثم فنجان "السيف" الذي باحتسائه يتعاهد الضيف والمضيف على التآزر في الشدائد.
أنواع الدلال للقهوة العربية
تُصنع الدلة من النحاس الأصفر والأبيض، وقد يكون خفيفًا او ثقيلًا، والدلة تتكون من: الفرط والغطا والجسم والثعبة واللهاة والعقرب.
الدلة البغدادية: تُصنع في بغداد وتشبه الحساوية، لكن في داخل الغطاء قمع يصدر صوتًا عند تحريك الدلة في أثناء الصبّ.
الدلة الحساوية: تُصنع في الأحساء، ولونها أبيض، والغطاء أصفر.
دلة رسلان: نسبة إلى صانعها رسلان في الشام، ثم أبنائه ولونها أصفر، ولها أحجام مختلفة وغالية الثمن، ونحاسها ثقيل.
الدلة القريشية: تكون على 3 أحجام، وتتميز بأنها منقوشة وتُصنع في مكة المكرمة، ولونها أصفر وأبيض، وتنتشر في الحجاز وجنوبه.
الدلة العمانية: تشبه الدلة القريشية، لكنها تتميز بنقوش متنوعة أكثر.
جفنة: دلة تصنع من الفخار في جازان، وهي إناء صغير يوضع على مركب فخاري يُملأ بالجمر.
القهوة في مناطق المملكة
وتمتاز كل منطقة من مناطق المملكة بطريقة صُنع مميزة للقهوة، إذ يُضاف إلى قهوة نجد الهيل والزعفران، أما أهل الجنوب فيضيفون إلى المكونين السابقين القرنفل والزنجبيل والقرفة، ويمزج أهل حائل البن مع الهيل والزعفران والقرنفل، فيما يكتفي سكان غرب المملكة بالبن والهيل فقط، فيما يبتكر اليوم عُشاق القهوة طرقًا مستحدثة لصناعتها فبعضهم يضيف إليها الحليب أو مبيض القهوة.
وكانت القهوة قديما تُحضر على الحطب وتطورت وسائل تحضيرها اليوم، فاختُرعت لها دلة كهربائية وخلطة تحضير فورية، وعرف تقاليد مختلفة في تقديمها، إذ يجب أن تُمسك دلة القهوة وتُصب باليد اليسرى، ويُقدم الفنجان للضيف باليد اليمنى.
تحضير القهوة السعودية
تبدأ عملية التحضير بتحميص حبوب البن الخضراء بالقرب من النار باستخدام "المحماس" وهي أداة خاصة لحمس القهوة، ولا تُستخدم لأي غرض آخر عداها، حتى تصل إلى درجة التحميص المفضلة لديك، وبعد ذلك تُطحن الحبوب وتُغلى في "الدلة" مع إضافة التوابل مثل الهيل والزعفران لتقديمها.
عادات وتقاليد شرب القهوة
للقهوة السعودية عادات وتقاليد لا تتغير، ومنها "هز الفنجان" الذي لم يأتِ من فراغ، إنما ارتبط بواقعة اجتماعية قديمة على إثرها أصبحت عادة أساسها "لغة إشارة" يحرص عليها وتنال الاحترام الشديد، تقول الحكاية:
كانت أحاديث شيخ عشيرة تنتقل الى المجتمع عبر صاحب مهنة صب القهوة "القهوجي"، بعد الكشف عن هذا الأمر، طرد الشيخ القهوجي وتعيين آخر "أصم" لضمان عدم استماعه للحديث.
بعد ذلك وضع الشيخ طقوسًا محددة لفنجان القهوة الذي يتعامل معه القهوجي الأصم مع الضيف، إذ تُعد حركة "هز الفنجان" عدة مرات لغة إشارة يُفهم منها اكتفاء الضيف ورغبته في التوقف عن صب القهوة.
فأصبحت عادة هزة فنجان عدة مرات من الضيف تدل على الاكتفاء والتوقف عن صب القهوة.