د. محمد حامد الغامدي
■ تحوّلت المجالس إلى أسواق للكلام المباح وغير المباح .. بعض المجالس مثل الأسواق الشعبية.. بعضها أسواق فاخرة للنخبة .. الكلام هو السلعة المشتركة المقبولة.. هل تستطيعون تعريف الكلام ؟!.. في جميع المجالس لا يختلف الكلام، إلا من خلال نبرة الصوت.. تطلقه أوتار الحنجرة.. يفرض نفسه كقيمة، إذا انتفخ جيب المتحدث، قبل عقله وإدراكه.. هناك فرق عربي واضح بين المجلس والجلسة..■ وظيفة الأذن العربية، إعادة تجميع الكلام، ونقله إلى العقل العربي، الجاثم على قلوب العالم.. يحلل بطريقة لا تختلف عن خلاط المواقف الغربية.. لكل موقف خلطة ظالمة ضد العرب.. ■ يعيد العقل العربي صب الخلطة الكلامية، في صفائحه الفارغة، لتشكيل قوالب جديدة، من المعلومات، التي لا يفهمها سوى العرب.. لا يهم نوعها، وحجمها، ومصدرها.. المهم تبديد الوقت.. يقف العرب أمام الوقت عاجزين.. يرونه حملا ثقيل الدم..■ تسمع الضحك والقهقهة العربية في المجالس.. سعداء حتى بالمصائب.. أزاحت بعض الوقت من أمامهم .. تلك فائدة المصائب عربيا.. المجالس العربية لا تتغير بين عِلية القوم ونقيضهم.. العقلية واحدة.. الأجساد التي ترتاد هذه المجالس، تختلف باختلاف طبقات الناس الدنيوية.. ■ تتعجب عندما يستطيع احدهم الانتقال من طبقة اقل إلى أخرى أعلى .. لكن لا تتعجب عندما يتدحرج احدهم من مرتبة أعلى إلى الأسفل.. هذه صفة عربية مسجلة في التقارير الدولية .. العرب الوحيدون الذين يتأخرون ولا يتقدمون.. هكذا تقول المجالس العالمية..■ المجالس تتغير مع الوضع السائد .. مجالس قبل الطفرة، تختلف عن مجالس بعد الطفرة .. قفزة نوعية في المكان، والأثاث الذي يحمل الأجسام .. حتى وان كانت أجساما كلها صدأ.. أو براقة بمادة تمت إضافتها مع الطفرة لـ(الزركشة).. يظل معدن الذهب غاليا ونادرا.. البعض يرميه في ساحات الزلل والضياع.. أصبح المعدن الثمين لا يستعمل إلا في الخزن.. يتم الرجوع إليه بعد فوات الأوان.. هكذا حتى الرجال في المجالس..■ هناك مجالس للأطفال.. ومجالس للنساء.. ومجالس للعلماء.. ومجالس للجهلاء.. وأيضا هناك مجالس للضياع.. بعض مجالس النساء تحوّلت إلى مجالس رجال.. والعكس صحيح.. نسوة يرتقين ورجال يهبطون.. هناك مجالس لتبادل الهم والذل والإحباط والانكسار.. هناك مجالس لفقد الكرامة والنخوة.. وهناك أيضا مجالس العزاء والأحزان.. ■ هناك مجالس للحش العربي، وأخرى للاستعراض، خاصة الأجساد.. عليها ملابس أشبه بكيس كله دمامل.. لا يختلف عن كيس حبات البطيخ.. الأجمل عندما يكون هناك شنب معلق في وسط آخر بطيخة مرئية.. ليس عيبا أن تكون كذلك.. الأمر متروك للذراع الناسفة التي تبني نفخة الجسم على حساب نفخة العقل..■ يدور الحديث.. ويتشعب.. وتأتي الأفكار.. وتتدفق المعلومات.. ويتحول المجلس إلى صينية سلطة كبيرة متنوعة.. يتغذى البعض على هذه الأحاديث.. تصبح مرجع ومصدر المعلومات.. تفتح أبواب الدنيا حتى السفلية منها.. توجه وتقود .. تخلق المكانة حتى الدونية .. هي المصير الأسود وأيضا الأبيض.. كنتيجة أصبح العرب في وضع خطر.. لا تستغرب عندما يكون هناك يوم عالمي للحزن على العرب.. ■ أصبحت المجالس تصنع الثقافة.. وتصنع الشائعة.. وأيضا تشكل المكانة.. ويتم إدارة الأشياء العربية من هذه المجالس .. حتى المصير العربي .. وحتى يتم احترامها يعطونها أسماء سمينة.. وهناك مجالس لا يتحدثون عنها رغم علمهم بثقافتها .. ضياع الوقت يمثل النتيجة الحتمية لهذه المجالس العربية.. ■ نتحدث عن المجالس خارج إطار العمل والقمم العربية.. نتحدث عن مجالس تضييع الوقت.. كان العرب في زمانهم الغابر يشاهدون الوقت، ثم يهربون منه إلى النوم .. اليوم تغير الوضع، يشاهدون الوقت، ويهربون منه إلى الأسواق والقنوات الفضائية والمجالس.. بعضهم يفر من الوقت إلى الموت.. ولكن كيف ؟!..■ خذوا هذا المثال البسيط : اللوحات الإرشادية المرورية على طول الطرق تقول: هدّئ، أمامك تحويلة أو منعطف أو أعمال .. تحدد السرعة (60) كم/ساعة.. ثم تجد من يقود السيارة بسرعة تزيد على (120) كم/ ساعة.. بعد الحادث والموت، يتولى أبطال الموت الأحياء في المجالس الترويج بأن الطريق هو السبب.. أبطال الموت والأحزان لا ينتهون.. تجدهم حتى في المجالس.mgh7m@yahoo.com