المؤرخ - فالح السمحان

لقد كان الملك الموحد -غفر الله له- يولي الرياضة جل اهتمامه ضمن اهتماماته المتعددة سواء منها الرياضة الحديثة من الألعاب المعروفة اليوم أو الألعاب العربية الأصيلة التي كان يشجعها بشدة باعتبار أن الرياضة في نظره هي ممارسة إنسانية صحية ونشاط فكري تبني العقول وتعزز من القيم الأخلاقية وتعمق روح الألفة والتواصل وتكريس الحوار الثقافي.. حتى إن الكاتب العربي عباس محمود العقاد كتب في عام 1365هـ عبر صحيفة (الكتلة) في عددها الصادر في يناير 1946م مقالاً عن الملك عبد العزيز بعنوان (الملك الرياضي) يجسد فيه بعض اهتمامات الموحد نحو الرياضة، كما انتعشت الرياضة في عهد الملك عبد العزيز انتعاشاً كبيراً بعد استتباب الأمن في الحجاز التي تعتبر هي المصدرة للرياضة كافة وكرة القدم تحديداً لجميع مدن المملكة.. فنهضت الفرق الرياضية في وقت كان -يرحمه الله- وأبناؤه منذ عام 1345هـ وهم يرعون بعض أنواع الرياضات ويحضرونها ويشجعونها مثل سباقات الخيل والهجن، ولم تعترض الدولة على الرياضة بل شجعتها وتعاملت بحكمة ومن خلال الأنظمة مع من كان يعترض عليها بل وشرعتها رسمياً في وقت مبكر جداً ووفرت للفرق الرياضية الفرصة لممارسة ألعابها وهوايات الشباب فيها بإشرافها على التنظيم من خلال توفيرها رجال الأمن والإسعاف وتربية اللاعبين تربية إسلامية تقوم على الإعداد البدني والنفسي والذهني مع مراعاة أوقات الصلاة، ثم طورت في نظام الإشراف وجعلته أكثر تنظيماً بحيث وضعت بعض الشروط المحدودة لمن يريد أن يسجل نادياً حتى أوجدت إدارة خاصة للرياضة في وزارة الداخلية وإذا نظرنا إلى عدد الفرق الرياضية التي خرجت إلى النور منذ بداية عهد الملك عبد العزيز وحتى وفاته لوجدناها تتجاوز المائة بكثير بجميع أنحاء المملكة ولم يبق منها حتى الآن سوى 11 نادياً وهي: مكة المكرمة: نادي الوحدة.. جدة: نادي الاتحاد والنادي الأهلي والربيع (اندماج الهلال البحري في فرق أخرى وأصبح اسم الفريق هكذا).. الرياض: نادي الشباب ونادي الرياض، الدمام: نادي الاتفاق وناي النهضة.. الخبر: نادي القادسية (اندماج فريق الهلال بالخبر مع فرق أخرى أصبح اسمه الأخير هكذا).. سيهات: نادي الخليج (تغير اسمه من السعودي إلى النسر ثم أصبح بهذا الاسم).. الأحساء: نادي هجر، المدينة المنورة: نادي أحد.
انتعاش رياضي
ومكنت الدولة النشاط الرياضي من الانتعاش تماماً بعد الحرب العظمى الثانية في نمو غير مسبوق وبأكثر دقة وتنظيما فأصبح ولاة الأمر يحضرون المباريات الرياضية، وعلى رأسهم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الذي سلم أول كأس سعودية لكرة القدم على أول بطولة سعودية.. وحضر سمو ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبد العزيز العديد من المباريات، وكذلك الأمير فيصل بن عبد العزيز نائب جلالة الملك في الحجاز وأمراء المناطق.. حضر كل منهم في منطقة وشجع قيام الرياضة الحديثة حتى أوجدت إدارة خاصة للرياضة في وزارة الداخلية ودخلت الرياضة إلى المدارس وعمتها لتصنيع ناشئة جدد يمارسون الرياضة وتوسع نطاقها وشموليتها بعد إدخال ألعاب مختلفة في وقت انتشرت فيه الألعاب المختلفة كالسلة والطائرة والتنس والقولف وخصوصاً في شرق المملكة ولم تمض حياة الملك عبد العزيز- يرحمه الله - إلا وقد عمت الرياضة أغلب أجزاء المملكة لتدخل الإطار التنظيمي الرسمي بصورة أكبر بعد انتقال الرياضة من وزارة المعارف إلى وزارة العمل والشئون الاجتماعية أوائل الثمانينيات.. تلك الحقبة شهدت تسجيل وتصنيف الأندية رسمياً.
نهضة الرياضة السعودية
كانت تمارس رياضات عديدة كالفروسية والهجن، وتقام سباقات الخيل والهجن في نجد والأحساء وحائل من قبل ثم في الحجاز ، فنهضت الرياضة السعودية على وجه التحديد كرة القدم في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود خلال الأعوام 1345هـ- 1373هـ ، وتأسيس الفرق في مدينتي مكة المكرمة وجدة، وكان لأبناء الوافدين الحظ الأكبر في نشرها وتبعهم أبناء البلاد، فبدأت ظاهرة تأسيس الفرق الرياضية الممارسة لكرة القدم،.

في عهد مملكة الحجاز ونجد، كاد دخول معاملة لمجلس الشورى بطلب منع كرة القدم في عام 1351هـ الموافق 1932م بسبب وفاة لاعب أثناء المباراة، ينسف برياضة كرة القدم ويلغيها، واستمر النقاش فيها بإدارة رئيس مجلس الشورى الأمير فيصل بن عبد العزيز نائب جلالة الملك في الحجاز، لتخرج بعد أربعة أشهر وقد أصبح مسمى البلاد المملكة العربية السعودية؛ بأهم قرار في تاريخ الرياضة السعودية وهو (عدم الموافقة على منع جميع الألعاب الرياضية) كان هذا الدور النادر التاريخي من مجلس الشورى حاسما ويسجل للأمير فيصل بن عبد العزيز وزملائه.

كان الملك عبد العزيز -رحمه الله- يخشى على الشباب ويحافظ عليهم فقد تضمن القرار الذي صدر عن مجلس الشورى إقامة الصلاة في أوقاتها بحيث لا يكون لعب المباريات أثناء أوقات الصلاة وأوكل مهمة الإشراف على النشاط الرياضي للأمن العام ومراقبة ذلك

ثم في عهد الملك المؤسس عام 1355هـ الموافق 1936م وافق مجلس الشورى كذلك على إدخال الرياضة المدرسية للمدارس واستؤجرت لذلك "أحواش" خاصة لممارسة الرياضة لعدد من المدارس ، ودعم هذا القرار الرسمي أن مديرية المعارف قد أدخلت بعد هذا القرار بثلاث سنوات أي عام 1354هـ مادة (التربية البدنية) في مدارسها وأصبحت مادة مقررة وتم التعاقد مع مدرسين متخصصين من خارج المملكة.
تشريف تاريخي في الظهران
وتكريسا لاعتراف الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- بالرياضة، شرف -يرحمه الله- مباراة لكرة القدم في مدينة الظهران بين فريقي (الاتحاد) و(التوفيق) وكلاهما من الظهران في المباراة التاريخية.. وقدم جلالته الكأس الوحيدة وتحديداً في المناسبة الرياضية الوحيدة التي حضرها في كرة القدم وهي أول كأس ملكية سعودية عام 1366هـ وبذلك تجاوز موقف الملك عبد العزيز من اعترافه بالرياضة وتشجيعه لها إلى حضور تلك المباريات والمشاركة بتقديم الكؤوس التشجيعية لها

في الفترة من عام 1345هـ-1358هـ.. كان جلالته قد رعى أكثر من احتفال من احتفالات رياضة الفروسية في الطائف على وجه الخصوص وقدم الجوائز والهدايا للفائزين وظهرت في نفس تلك الفترة أنشطة وزارة المعارف الرياضية من خلال مدارسها وحضر صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد العزيز ولي عهد المملكة آنذاك احتفالاً رياضياً في بغداد عام 1356هـ أثناء زيارته لها مع (الملك غازي) -ملك العراق- وأقيم بالمدرسة العسكرية ببغداد وشاهدوا عرضا للبولو في قصر الزهور, كما ظهرت الألعاب المختلفة بنشاط أقل من كرة القدم مثل كرة السلة والتنس، أما في مجال كرة القدم فكان الأعيان يتنافسون في تقديم الكؤوس والأوسمة للفرق وذلك تحريكاً للنشاط الرياضي الذي لم يجد من يرعاه ويهتم به فكانت نشأة كرة القدم نشأة ذاتية عبر جهود مبعثرة ومشتتة كانت تتعرض في أغلبها إلى الإجهاض, نظراً للخلافات بين اللاعبين والأندية مع الحكام والمنظمين.
تشكيل أول منتخب سعودي
وفي عهد الملك عبد العزيز تم تشكيل أول منتخب كرة قدم سعودي سافر بمعية الأمير سعود بن عبد العزيز قبل وفاة الملك عبد العزيز بستة أشهر إلى سوريا وقابل فريق الأمن السوري ومني بهزيمة ثقيلة 7 - 2.

كان المنتخب من جميع أنحاء المملكة من رأس تنورة إلى الخبر والدمام والرياض والطائف ومكة وجدة والمدرب وطني هو محمد طرابلسي الذي كان لاعباً في المنتخب كذلك.

لقد شجع الملك المؤسس الرياضة بكل أشكالها وكان يرى أبناءه وهم يشاركون في بعض المباريات التي كانت تلعب ومنها في موقع مطار الملك خالد حالياً بالرياض.
دخول كرة القدم إلى الرياض
وفي عهده دخلت كرة القدم إلى الرياض منتصف الأربعينات الميلادية مع أبناء مكة المكرمة الذين انتقلوا للرياض، كانوا يخرجون نهاية كل أسبوع يلعبونها في "غبيرة" جنوب الرياض وتطوروا إلى حد أنهم أصبحوا يخططون الملعب بالنورة، فشك فيهم الأهالي أنهم يخططون مدرجاً للمطار للقيام بعمل تخريبي، بينما هم موظفون في مالية الرياض يتسلون نهاية الأسبوع!! تم القبض عليهم وسجنوا في المصمك حتى وصل الأمر بعد أيام للأمير سعود بن عبد العزيز الذي أطلق سراحهم عندما علم من هم وما هي وظائفهم فهو يعرفهم جميعاً.
انطلاق الرياضة السعودية إلى الأفاق
كانت بدايات الرياضة متواضعة لكن أبناء الملك عبد العزيز وأحفاده كالأمير عبد الله الفيصل المهتم بكرة القدم أوكلت إليه وزارة الداخلية وأسس في عهده أول قسم للتربية البدنية والكشافة وانطلقت منه الرياضة السعودية إلى الآفاق.

ففي هذه الفترة شهدت دخول رائد الرياضة الراحل الأمير عبد الله الفيصل إلى الساحة الرياضية حينما شرف تسليم أول كأس للفائز ببطولة وهو كأس (ابن ياسين) الذي قدمه عام 1364هـ، وكان دخول سموه نقطة تحول في الأخذ بيد الرياضة إلى بر الأمان وظهر بشكل أكبر بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها عام 1364هـ بعد أن مرت الرياضة بحال من شبه الركود لكنها لم تتوقف فكانت المباريات قليلة والناس قد التهوا بالبحث عن لقمة العيش في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والرياضة لا تنتعش إلا في أجواء السلام، وحضر الملك عبد العزيز -غفر الله له- أثناء زيارته للمملكة المصرية في صفر عام 1365هـ حفلا استعراضيا رياضيا في ملاعب (جامعة فؤاد الأول) في شهر صفر من ذلك العام بمعية الملك فاروق وبحضور عدد من أصحاب السمو الملكي الأمراء الذين رافقوه في تلك المرحلة كالأمير عبد الله بن عبد الرحمن شقيق جلالة الملك والأمير محمد بن عبد العزيز والأمير خالد بن عبد العزيز والأمير فهد بن عبد العزيز -رحمهم الله- والأمير عبد الله بن عبد العزيز والأمير بندر بن عبد العزيز والأمير مساعد بن عبد العزيز.. ولم يتوفه الله إلا وقد أينعت ثمرة الرياضة في المملكة العربية السعودية وواصلت النمو بعد ذلك ولكن بعد أن أصبح لها جذر قوي راسخ في الأرض.
كان من مشجعي الرياضة الحديثة الأمير فهد بن عبد العزيز الذي أصبح مسؤولاً عن اتحاد كرة القدم لتسعة أشهر أثناء توليه منصب وزير المعارف، وكذلك الأمير سلمان بن عبد العزيز الذي كان يقدم جوائز كساعة وقلم «باركر» للاعبين في عهد الملك عبد العزيز.