حسن السبع

حسن السبع

لا علاقة لهذا العنوان بداروين، ولا بتطور الأنواع، أو الاصطفاء الطبيعي، فالعنوان، في أحسن أحواله، محاولة (عابثة) لتشخيص حالة ثقافية مزمنة.. وهي محاولة عابثة لأن مساحة ما يكتب أوسع بكثير مما يتم الاهتمام به، ناهيك عن مراجعته وتقييمه تمهيدا لإصلاحه.. والعنوان في أحسن أحواله، شكل من أشكال (النميمة الثقافية).. والنميمة الثقافية جائزة، حسب رأي بعض النقاد، شأنها في ذلك شأن النميمة الفنية، ولولاها لما ملأ المحررون فراغ صفحاتهم الفنية، ولتم تسريحهم.. «وليس كل النَّم طعنا في الظهر، ولا وشاية بآخر» كما يقول سليمان فياض في (كتاب النميمة) بل هو إظهار للخفي .. ولعل سليمان فياض قد أراد من خلال تلك النميمة خدمة البعيد عن الوسط الثقافي والفني ولا يعرف ما يجري وراء كواليسه. وفيما يشبه النميمة سألت صديقا ضليعا بخفايا الوسط الثقافي السؤال التالي: على أي أساس يتم الترشيح للمهرجانات الثقافية التي تقام فيما وراء البحار؟ لم يكن سؤالا بريئا.. كنت أعرف أن الأسماء تتكرر، وأن بعض المرشحين ليسوا خلاصة الخلاصة.. فقال: الترشيح، يا رعاك الله، يندرج تحت عناوين كثيرة، لكني لا أعرف منها إلا ثلاثة هي :الترشيح الآتي بطريقة عشوائية، وهو ترشيح خارج دائرة الضوابط، وأشبه بخبط عشواء من يُصبْ يُرشَّح ومن يخطئ يعمر فيهرم دون أن ينال (شرف) الترشيح إلى مهرجان واحد. قلت: فما العنوان الثاني ؟قال: الترشيح على طريقة (ما في البلد إلا ها الولد). وقد يأتي ذلك الترشيح عبر دوائر ومؤسسات في الداخل أو الخارج تعتمد قوائم أرشيفية أناخ عليها الدهر حتى بليتْ.. ولا تعجب، بعد ذلك، أن توجه دعوة للمشاركة في مهرجان ثقافي لكاتب أو أديب شبع موتا، أو آخر قد أصيب بالسكتة الإبداعية منذ سنين، وليس له أية مساهمة تذكر في الحاضر، عدا ما يعتقد أنه مجد غابر، وعدا الصور التي تتلألأ على صفحات الجرائد والمجلات بمناسبة وبغير مناسبة .. مما يعني أن الترشيح لا يتم بناء على رصد ومتابعة لما يستجد في الساحة الثقافية، ولكنه أداء بيروقراطي لا يخدم الثقافة بأية حال من الأحوال..قلت لصاحبي: فما العنوان الثالث الذي تعرفه ؟ قال: الترشيح للمهرجانات والمؤتمرات على طريقة (شيّلني واشيّلك). ويتم هذا من قبل أصدقاء يعملون مستشارين في المؤسسة الثقافية المنظمة لتلك الفعاليات، ولرأيهم أهمية في صناعة القرار، وهم أصدقاء ينتمون إلى (كارتيل) ثقافي واحد.. والأقربون من الأصدقاء أولى بالمعروف.. وبناء على ما تقدم فإن البقاء، في مثل هذه الحال، للأقرب وليس للأصلح.. وشبيه بذلك ترجمة الأعمال الأدبية إلى لغات أخرى.. فأنت تسمع بين حين وآخر أن فلانا، وهو حديث عهد بالكتابة، قد ترجمت روايته أو ترجم ديوانه إلى اللغة الهيروغليفية، ثم تكتشف أن له صديقا من قدماء المصريين عاش في عصر (أمنحوتب الثاني) قد قام بتلك المبادرة التي لا علاقة لها بقيمة العمل الإبداعية .. (هذه مجرد نكتة).. أما إذا كانت الترجمة إلى إحدى اللغات الحية فذلك يعني أن صديقا لصيقا في المهجر قد قام بتلك الخدمة من أجل سواد عيون المؤلف. قلت: هذا شيء عادي، وفي غياب دور المؤسسات المعنية بمثل هذا النشاط الثقافي سوف تصبح حالة (الاصطفاء غير الطبيعي) طبيعية !إن ظروف الترشيح لحضور المؤتمرات ليست مختلفة كثيرا عن ظروف الترشيح للجوائز الأدبية، أو تكريم الأدباء والمفكرين، ففي كل مرة تعلن لجنة التحكيم نتائجها تمتلئ الرؤوس بعلامات الاستفهام والتعجب ومشتقاتهما، ثم تبدأ لعبة المقارنة والمفاضلة.. ورضا الناس غاية لا تدرك.يستطيع أي منا أن يعظَ قائلا: لا ينبغي للعمل الثقافي المؤسسي أن يخضع لمزاج شخص ما، وإنما ينبغي أن يكون وفق معايير واضحة كي لا يصبح الارتجال قاعدة.. لكن هذا كلام نظري.. ومن يلتزم جانب الموضوعية فسيدرك أن من المحال إلغاء الجانب الشخصي في كل ما يتصل بالشأن الثقافي، لأن القائمين على هذه النشاطات بشر لهم رؤى خاصة وانطباعات ومواقف وعلاقات. ومن يقول بغير ذلك فإنما يفترض وضعا مثاليا لا وجود له على أرض الواقع. hsn_saba@hotmail.com