مع تسارع وتيرة التحول الرقمي في المملكة، يشهد القطاع المصرفي السعودي تطورًا لافتًا في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، لغايات تحسين جودة الخدمات ورفع كفاءة التشغيل وخفض التكاليف، هذا التوجه وإن كان يحمل في طياته الكثير من المزايا التقنية والمالية، إلا أنه يفرض تحديات حقيقية تتعلق بمستقبل الوظائف البنكية ودور العنصر البشري، وكجزء من رؤية المملكة 2030 وفي اطار ما يعرف بـ مصطلح (Fintech) : -Financial Technology، أي استخدام التكنولوجيا الحديثة في تقديم الخدمات المالية والمصرفية بطرق أكثر كفاءة وابتكارًا-، فإنه وخلال السنوات الأخيرة الماضية، نعلم جيدا أن البنوك السعودية قد اتخذت عدة خطوات جادة في تبني التكنولوجيا المالية، وهذا يقودنا الى أمر مهم للغاية، وهو توقع الانعكاسات التي ترافق هذا التطور في عملية التحول الرقمي، السلبيات لمعالجتها والإيجابيات لتعظيمها، خاصة وأنه في هذا المجال فإنه لا يمكن الاعتماد على ما وصل إليه الآخرون، لأن الجميع هنا جديد ويخضعون لمراحل الاستكشاف والتجربة.
مما لا شك فيه إن التحول التقني الحالي يقوده الذكاء الاصطناعي، خاصة أنه تشهد البنوك السعودية نقلة نوعية في الخدمات المصرفية، من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في عدد من العمليات المحورية، وتشمل هذه التطبيقات روبوتات المحادثة لخدمة العملاء على مدار الساعة، و خوارزميات تحليل الائتمان، ونظم كشف الاحتيال، وأدوات استثمار تعتمد على تحليل البيانات، إلى جانب أتمتة الإجراءات الإدارية الداخلية، وتأتي هذه التحركات في سياق دعم أهداف رؤية المملكة 2030، التي تضع التحول الرقمي في صلب استراتيجياتها، ما دفع عددًا من البنوك والمؤسسات ذات خدمات مصرفية، إلى تبنّي نماذج تشغيلية حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
السؤال هنا: هل لهذا التحول التقني تأثير مباشر على الوظائف البنكية التقليدية؟ رغم أن استخدام الذكاء الاصطناعي يسهم في رفع الكفاءة التشغيلية، إلا أن تداعياته على سوق العمل المصرفي بات محل نقاش واسع، إذ يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة انخفاضًا في بعض الوظائف التقليدية، خاصة في أقسام خدمة العملاء وإدخال البيانات والمحاسبة الأساسية، نتيجة لأداء الأنظمة الذكية لهذه المهام بكفاءة أعلى، في المقابل، ستنشأ وظائف جديدة تتطلب مهارات تخصصية في تحليل البيانات وتطوير الأنظمة الذكية والأمن السيبراني، كما سيتحوّل دور الموظف البنكي إلى مهام إشرافية واستشارية أكثر تعقيدًا، وهو ما يستلزم استثمارات موسّعة في التدريب والتأهيل، ولهذا فإن الجواب سيكون أن هناك وظائف محددة ستتأثر، وهناك وظائف نوعية أخرى ستتطور وتتزايد، وهنا يلزمنا المقارنة بين الوظائف من حيث النوعية والكمية، وهذا مبحث آخر سنتناوله قريبا مع ضرورة اقترانه بمخرجات المؤسسات التعليمية والمهنية على حد سواء.
علينا الإقرار بأن هناك تحديات كبيرة ومباشرة تستوجب المواجهة والمعالجة، التحول الرقم التقني الحديث يطرح تحديات لا تقل أهمية عن المزايا الناتجة عنه، من أبرزها مخاوف الخصوصية والأمن السيبراني، ووجود فجوة رقمية بين الأجيال العاملة، فضلاً عن تفضيل بعض العملاء للتعاملات التقليدية مقابل الأنظمة الآلية، كما أن الأطر التنظيمية القائمة بحاجة إلى تحديث لمواكبة المتغيرات المتسارعة، وضمان الاستخدام الأخلاقي والآمن للتقنيات الحديثة، وكأي عملية أو مسارات جديدة يخوضها الاستثمار النوعي دائما، فإن قاعدة التغذية العكسية الراجعة «FEED BACK» لا بد وان تكون فعالة ومستمرة على مدار الحدث الزمني، خاصة في القطاع المصرفي المالي، لان الخلل أو الانحراف حين يظهر، فإنه عامل معالجته الزمني أمر مهم جدا.
لنتفق على أن هناك مستقبل واعد ينتظرنا في التحول التقني في القطاع المصرفي، لكنه مشروط بوجود معادلة واضحة بين التأثير المباشر وبين المخرجات على المدى القريب والبعيد، فنحن من خبرتنا نرى أن مستقبل البنوك السعودية سيكون أكثر ذكاءً واعتمادًا على التقنية خلال العقد القادم، لكننا نشدد ونحرص على أهمية الحفاظ على التوازن بين التكنولوجيا والعنصر البشري، فالنجاح الحقيقي يكمن في تبني استراتيجيات رقمية شاملة لا تُقصي الكوادر البشرية، بل تُمكّنها من إعادة التكيف مع بيئة العمل الجديدة، العنصر البشري أمر مهم لا يمكن التجاوز عنه، حتى وان كان وبين قوسين تنمية العنصر البشري في مجالات أخرى بمساهمة القطاع المصرفي، مثل عملية الاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم والتدريب، أو بوابة المسؤولية الاجتماعية «CSR» باعتبارهم حجر الأساس لضمان استدامة التقدم التقني وتحقيق أهداف النمو الاقتصادي المستدام في المملكة.
HaniAlmahri@yahoo.com