نحن نولد في حضن الوهم، نُربّى على معايير لا نضعها، ونُحاسب على عجزنا عن بلوغها..!
الكمال.. هذه الكلمة التي تحمل سحراً يشبه الخديعة، تنمو في عقولنا منذ الطفولة كهدفٍ أسمى، أشبه بالسراب، لا أحد يعلّمنا أنها حالة غير إنسانية، وأن من يطاردها بلا وعي، يعيش حياة لا تخصه ولعل السؤال الأشد إيلاماً هو: كيف يمكن لمن لا يدرك أنه مسيَّر، أن يكتشف زيف ما يُساق إليه؟
اللا وعي لا يعني الغفلة التامة، بل هو ذلك التواطؤ الداخلي مع المفروض والموروث، مع المعايير الجمعية التي تخترق ذواتنا دون أن نطلبها، ولا يُظهر لك الكذبة، بل يزيّنها لك ويجعلك تصدّق أن الجمال له مقاس، أن الذكاء له شكل، أن النجاح له سلم واحد فقط، ومن لا يعتليه يُعتبر عالة أو فاشلاً أو خارجاً عن النظام، تتورّط في المقارنة وتظن أن الكمال يكمن في الصورة، في الأرقام، في المديح، في الكفاءة المطلقة، فتقيس نفسك بأدواتهم، وتجلد روحك لأنك لست نسخةً طبق الأصل من صورة لا أحد يراها إلا في إعلانات التجميل وحسابات الوهم.
كيف تدرك الزيف وأنت بلا وعي؟ الإدراك يبدأ حين يتشقق الصمت داخلك، حين تنفجر أسئلتك في منتصف الليل: لماذا أفعل ما أفعل؟ لمن أركض؟ من يصفق؟ من أقيّم نفسي من خلاله؟ لماذا لا يكفّ هذا الشعور بالنقص، رغم كل ما حققته؟ في تلك اللحظات، لا تكون قد استيقظت بعد، لكنك تبدأ في التململ من سباتك.
اللا وعي لا يُكسر دفعة واحدة، بل يُقشّر كجلد ميت، تراقب نفسك وأنت تتورط في تكرار ذات الأنماط، ذات العبارات، ذات الهوس بالإنجاز. ثم تسأل سؤالاً فجاً لكنه عميق: ماذا لو لم أكن بحاجة لأن أكون كاملاً؟ ماذا لو كانت هشاشتي جزءاً من نضجي؟ ماذا لو لم يكن السعي إلى الكمال إلا عبودية جديدة مغلفة بورق الذهب؟
حين تطرح هذه الأسئلة، لا تصبح كاملاً... لكنك تبدأ في التحرر. تكتشف أن الكمال، كما يُسوّق له، ليس سوى أداة سيطرة يجعل الجميع يشعر بالنقص حتى يبقوا في عجلة الإنتاج، في سباق لا نهاية له. من يبلغ خط النهاية، يُدفع مجدداً للبداية باسم «التطوير»، «التحسين»، «النسخة الأفضل من نفسك»، ولا أحد يقول لك إن أفضل نسخة قد تكون تلك التي تتوقف عن الركض.
الكمال لا يُكسر بالعنف، بل بالتفكيك. حين تدرك أن الكمال الحقيقي هو التصالح مع النقص، تبدأ أول خطوات الوعي. حين تحتفي بأخطائك وتراها أدلة حياة لا عاراً ، حين تضحك من زلاتك، لا لأنك متهاون، بل لأنك تعرف أن الإنسان الكامل مخلوق لم يُخلق بعد، تعرف حينها أنك خرجت من القفص.
لا أحد كامل، لأن الكمال لا يحتمل قلباً نابضاً، الكمال مفهوم هندسي، لا بيولوجي..!
نحن لسنا آلات، نحن روافد من الألم والتجربة والفوضى. وكل من حاول أن يكون كاملاً، إما انكسر بصمت، أو صار حجراً بارداً على هيئة بشر.
أن تدرك زيف الكمال، يعني أن تنقذ روحك من العبودية الأنيقة. يعني أن تتنفس للمرة الأولى دون ضغط، دون أداء، دون تمثيل. أن ترتكب خطأك بملء إرادتك، أن تبكي وتضحك وتفشل وتعود.. لا لأنك ضعيف، بل لأنك حي.
وبلا وعي، لن ترى هذه الصورة أبداً ، ستستمر في الركض داخل متاهة رسمها الآخرون، تلاحق كمالاً لن تدركه، وتبتعد عن ذاتك أكثر في كل محاولة.
الكمال كذبة أنيقة، تُغلفها المجتمعات بأقنعة النجاح والقبول. لكنك حين تعريها، لا تجد إلا وهماً يخاف من النقص، من الفوضى، من الإنسان. فاختر: أن تكون كائناً حقيقياً ناقصاً.. أو ظلاً كاملاً بلا نبض..
mohalarab75@gmail.com