حسن السبع
لنتصور أنه بعد أن ألَّف ابن الجوزي كتابه (أخبار الحمقى والمغفلين) أو كتابه (أخبار الظراف والمتماجنين) جاءه من يقول له : «هل هذا هو ما ينقصنا يا شيخ .. ألم تجد موضوعا غير هذا؟». قرأت هذا السؤال الاعتراضي في نهاية كتاب صدر قبل خمس سنوات تقريبا، ضمن جملة من الاعتراضات بعث بها بعض القراء إلى المؤلف حين كان موضوع الكتاب ينشر على حلقات في إحدى الجرائد. ورأى المؤلف أن يفرد ملحقا في نهاية الكتاب بكل تلك الاعتراضات الصاخبة، ذات النبرة العالية التي طالت شخصه، ولم تناقش مادة الكتاب. يحدث في الأوساط الثقافية العربية أن يبذل مؤلف ما جهدا كبيرا في البحث والاستقصاء والاعتماد على مراجع قديمة وحديثة، ومصادر معرفية متنوعة، وينقب في كتب التاريخ والتراث حتى تجحظ عيناه، وقد يسافر من مكان إلى آخر بحثا عن مراجع نادرة، ليقدم للقارئ، في نهاية المطاف، دراسة موضوعية متكاملة هدفها خدمة الثقافة أو المعرفة، ولا شيء غير ذلك. قد يخطئ المؤلف وقد يصيب، لكن ماذا يفعل بعض المتنطعين؟ في أحسن الأحوال فإنهم قد يقرأون كتابه قراءة لاهثة، فإذا خالف مضمونه حقائقهم الخاصة، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بكلام إنشائي لا يواجه الحجة بالحجة ولا البينة بمثلها. وغالبا ما تخطئ سهامهم الأفكار لتتجه إلى الأشخاص. إنها ذهنية الإلغاء التي تبيح لصاحبها استخدام كل الوسائل التي لا تمت إلى أدب الاختلاف بصلة، ولا تخدم المعرفة من قريب أو بعيد. فالغاية الخاصة، والحال هذه، تبرر الوسيلة، أيا كان سوء تلك الوسائل وبعدها عن أصول الاختلاف. فأية غاية (نبيلة) تلك التي لا تتحقق إلا بوسائل ملتوية؟ هل هذا ما ينقصنا ؟ للسؤال دلالاته التي لا تخفى على أحد، ففي عالم يموج بمختلف التوجهات والأحداث والتوترات والمعارك ينتظر هذا القارئ أن لا يخوض أحد إلا في قضاياه التي تشغل باله. ولا فرق بين من يطرح مثل هذا السؤال، ومن يكمم الأفواه بالشعار القائل : «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». فكلاهما ينتظر منا تعطيل آلات الإبداع وأشكال الحياة، لنخوض معه معاركه التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، أو معاركه التي تأتي ولا تأتي، أو تلك التي تأتي على الأخضر واليابس، وتعطل عجلة التقدم . هل هذا ما ينقصنا ؟ سؤال يطرحه من يحول الحياة إلى ساحة للقتال لا وقت فيها لأي شيء، ولا مساحة فيها للخيال . المبدعون، يا سيدي، أناس يرتبون البيت البشري بطرقهم الخاصة، ولا يقللون من شأن أي اجتهاد أو دراسة أو بحث حتى لو ظن بعضهم أن ذلك الإنجاز الإبداعي أو المعرفي شكل من أشكال الترف . ويبدو أنه لو عاش ابن الجوزي في عصرنا هذا لوجد من يعترض عليه قائلا : السفينة تغرق ، وأنت مشغول عنها بأخبار الحمقى والمغفلين وحكايات الظرفاء والمتماجنين. وهذا من أقل الاعتراضات ضررا، لأن من الاعتراضات ما يصل إلى حد المصادرة والمنع، ومنها ما يذهب إلى أبعد من ذلك . كل شيء لا يخدم توجهات ذلك القارئ هو شكل من أشكال الترف البعيد عن راهن الأحداث. فما بالك إذا خالف ذلك توجهاته أو قوضها.هل هذا ما ينقصنا ؟ يبدو لي أن السائل نفسه لا يعرف ماذا ينقصه ضمن تلك المتاهة الممتدة من الماء إلى الماء. أصغ إلى ذلك الصخب أو الصراخ الذي يملأ الساحات والشوارع العربية، وستكتشف أن الحشود لا تدري ما الذي ينقصها، وما هي أولوياتها، ولا تعرف متى ينبغي أن تعبر عن احتجاجها، ولماذا تغضب ، وكيف، ومتى ؟ وهي دائما ورقة رابحة في يد المتلاعبين بعواطفها. ولو كانت تعرف ما الذي ينقصها حقا لتحسنت ظروف حياتها. وما دام ذلك القارئ يعرف ماذا ينقصه، فدكاكين الكلام كثيرة، ويمكنه أن يعثر فيها على ما يناسب اهتماماته، وعليه أن يعمل بنصيحة بورخيس القائلة : «إذا أحسست بالضجر وأنت تقرأ كتابا ما، فلا تتردد في أن تضعه جانبا، لأنه لا يكون قد كتب من أجلك». لكن عليه أن يتذكر في الوقت ذاته أن الشمس لا تشرق صباحا من أجله وحده.hsn_saba@hotmail.com