حسن السبع

حسن السبع

يصف الكاتب التشيكي ميلان كونديرا تواطؤَ الشاعر والجلاد، في كتابه (الوصايا المغدورة) بالعمى الغنائي.. لكن العمى لا يقتصر على الشعر وحده بل يمتد إلى غيره من أشكال التعبير الأخرى (المسرحية، المقال النقدي، المقال الصحفي، اللوحة، المنحوتة). ومن المؤكد أنه لا صلة لذلك العمى بالإبداع، فهو عادة ما يراهن على نبرة خطاب عالية تستبدل عمق المعنى بالصخب والطنطنة. ولا أهمية، والحال هذه، لقرب أو بعد المضمون عن الحقيقة. المهم أن تكون أداة التعبير صاخبة ومدججة باليقين الذي لا يترك للحلم متنفسا، ولا للخيال نافذة.. يتذكر كونديرا زمنا أيديولوجيا بائسا يئد أزهار الإبداع، ويقمع المخيلة، ويجند الفن لخدمة اليوتوبيا. كان زمنا يرسل فيه الفرد «إلى فوج تأديبي لأنه يحب الفن التكعيبي» على اعتبار أن ذلك الفن هرطقة برجوازية لا تخدم الغناء التعبوي، إن لم يكن مكيدة من مكائد القوى المتربصة. وفي أحسن الأحوال فهو هلوسة لا يفهمها الرقيب الذي يفكر نيابة عن الناس جميعا. انهارت تلك الحقبة، كما انهارت كثير من القناعات بشكل مدوٍّ ومحرج. كان تاريخا طويلا من تدجين المخيلة كي تعمل وفق برنامج يتحكم في أجنحتها فلا تحلق إلا بما شاء. هرب ميلان كونديرا إلى الرواية، وحين يحاول بعض المتطفلين تصنيفه في خانة أيدلوجية ما، فإنهم لا يظفرون منه إلا بإجابة واحدة: أنا روائي! وهي إجابة تزعج هواة التصنيف. كان على (العمى الغنائي) الذي تحدث عنه كونديرا، وكما هو شأنه في كل التوجهات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أن يلمّع ويبرر ويمجد الواقع حتى لو كان ذلك الواقع قاتما وغير قابل للتلميع والتمجيد.هرب كونديرا من تلك المصيدة الأيديولوجية إلى الرواية.. «هل أنت يساري أم يميني يا سيد كونديرا؟ أنا روائي.. هل أنت منشق؟ لا، أنا روائي».. يقول كونديرا: «شكلت غنائية الرعب بالنسبة لي صدمة وإلى الأبد.. منحتني مناعة ضد كل الإغراءات الغنائية».مؤكد أن آراء ذلك الكاتب العملاق مخيبة لأمل عميان الغناء.. الذين يرون أنفسهم سدنة للحقيقة، وينتظرون منك إجابة محددة « يا أبيض يا أسود».. ويريدونك نسخة كربونية منهم. هؤلاء لا يستطيعون فهم أن يكون الحلم الإبداعي عادة أو مهنة، وأن الإبداع والإكراه لا يلتقيان. ولا يفهمون الحلم إذا ما تناقض مع يقينهم الذي لا اعتبار فيه لأية قيمة جمالية إبداعية، ذلك اليقين الذي يعطل الحركة وسلطة الخيال عملا بمبدأ (قل.. ولا تقل.. وافعل .. ولا تفعل) الذي يفرضه قاموس (الإلزام) كي لا أقول قاموس الالتزام. الالتزام حرية في اختيار الفكرة والموقف نابعة من داخل الإنسان، ولا يتحقق بالترهيب أو الترغيب، لا بالعصا ولا بالجزرة. لذلك فإن كل مظاهر الإكراه لا تخلق التزاما، بل تخلق نقمة ونفورا. أما الجزرة فإنها غالبا ما تصنع من الشخص ببغاء أو مهرجا أو (مقاول كلمات). والعمى الغنائي الذي أشار إليه كونديرا موجود في أدبيات الدوغما أيا كان توجهها أو زمانها أو مكانها. يختلف التوجه والزمان والمكان والنتائج واحدة. يرثي كونديرا لحال أحد الشعراء التشيك وقد أجبر على الغناء بشكل دعائي كي يحتفظ برأسه، لكنه في نهاية المطاف آثر الغناء على (رأسه) فألقى بنفسه من نافذة على رصيف في براغ. كتب قصيدة بطريقته الخاصة. لأنه لم يستطع أن يكتب قصيدة مستقلة كالحقيقة.. «تهبه ملجأ رائعا واحتمال وجود.. حياة أخرى طالما حلم بها»! يصف كونديرا تلك الحال مقتبسا مقطعا للشاعر مايكوفسكي يقول: «أما أنا فقد قهرتُ نفسي، ودستُ عنق أغنيتي الخاصة». نعم كان عليه أن يغني أغنية عامة، أن يكون صوتا ذائبا في جوقة. وكثير من القراء يعرف بقية حكاية ذلك الشاعر التراجيدية. كان كونديرا مثل بطل روايته (جاروميل) نزع عن الحائط اللوحات التي رسمها عميان الغناء التشكيلي، وعلق على الحائط صورة والده. كان أيضا مثل (كزافييه) وهو أحد شخصيات روايته (الحياة هي في مكان آخر) الذي يرى أن المنزل ليس خزانة للملابس، ولا عصفورا في قفص. كان منزله في خطواته، في مشيته، في أسفاره. الحياة هي في مكان آخر حيث تنفتح آفاق مجهولة. hsn_saba@hotmail.com