حسن السبع
يموت ليستردَّ فلوسه ! أكتب، من حين إلى آخر، تحت هذا العنوان، لمن يفضل وجبات الكتابة الخفيفة السريعة .. عنوان لا يتغير فيه إلا عدد الشطائر، لذلك فهي هذه المرة ثلاث شطائر قليلة الدسم .. وأما بعد: فإنه وعلى الرغم من قول المعري: «وشبيه صوتُ النَّعيّ إذا قِيْسَ بصوت البشير في كل ناد»! فإن للموت رهبة ووقعا مختلفا في النفوس .. لكن يبدو أنه لا رهبة للموت أمام تحجر المشاعر.. وهذا ما يصوّره عزيز نسين بشكل ساخر على لسان حمار ميت يخاطب صديقته الذبابة : «اثنان سيبكيان من بعدي : أولهما واصل وثانيهما وداد (اسم رجل) علي للأول دين خمسمائة ليرة، وللثاني مائة ليرة .. من يعلم مقدار حزنهما لموتي قبل أن أدفع ديني ؟ كنت كلما نظرت في وجهيهما أفضل الموت دفعة واحدة على الموت بالتقسيط» فالحزن هنا ليس على الفقيد (الغالي) ولكن على ضياع الليرات مما يعني أنه لا وجود للمشاعر والعواطف في دنيا المال.. ويعود نسين ليؤكد هذا المعنى في نهاية رسالته من المقبرة : «احذري أن تقولي للديانة عن مكاني .. بينهم واحد أنتِ تعرفينه، لا يتوانى عن شيء من أجل أن يدفِّعني نقوده .. يموت ويتبعني إلى هنا». صورة كاريكاتورية مضحكة لكن الواقع أكثر إضحاكا أحيانا. من أين لي هذا الحظ ؟!انتقد أحدهم، ذات مرة، تسرّعي في دفع قيمة الخدمات فور استلام الفاتورة .. واقترح أن أسدد الفاتورة حسب التاريخ الذي تحدده الشركة كآخر موعد للسداد .. وعندما سألته عن الحكمة في ذلك ؟ قال : لأنك لو متَّ قبل موعد السداد فهنالك احتمالان: إما أن تعتبر الفاتورة من الديون المعدومة، أو أن يتحمل الورثة تسديد الفاتورة .. أرأيتم بُعد نظر هذا الرجل المحنك ؟ تذكّرني هذه النصيحة بحكاية أخرى رواها عزيز نسين في (مذكرات حمار ميت).. وفيها : يطلب الموظف من مديره خمسين ليرة (سلفة) ليسدد دينه، فيسأله المدير: «متى ستسدد ذلك الدين؟»، فيقول الموظف: «اليوم الساعة الثانية بعد الظهر سيأتي الديَّان ليأخذها» فيرد المدير: «في تلك الساعة تعال وخذ خمسين ليرة». يسأل الموظف: «لماذا يا سيدي؟» فيرد المدير قائلا: «ممكن أن يموت ديَّانك قبل الساعة الثانية بعد الظهر، وممكن أن تموت أنت فأخلص أنا من دفع الخمسين ليرة»! فيرد الموظف قائلا: «من أين لي هذا الحظ يا سيدي؟ أنا منحوس ! الأعمار بيد الله .. أليس من الممكن أن لا يموت ديَّاني ولا أموت أنا، وتموت أنت فلا أستطيع أخذ الخمسين ليرة» !! بيت الذئب الخالي من العظام ..يقول المثل الشعبي: «بيت الذيب ما يخلا من العظام» غير أن ذلك لا ينطبق على بيت الشاعر الصعلوك عبد الحميد الديب .. فهو عبارة عن غرفة خالية من كل شيء، يقول عنها: «لقد كنت أرجو غرفة فأصبتها / بناء قديم العهد أضيق من لحد/ تراني بها كل الأثاث فمعطفي/ فراش لنوم أو وقاء من البردِ/ وأما وساداتي بها فجرائد/ تجدد إذ تبلى على حجر صلد»!وأما عن حظ الديب فحدّث ولا حرج .. يروي صديقه عبد الرحمن عثمان كيف التقى بالديب وهو في حالة إعياء من الجوع .. فأخذه إلى حيث يسكن عبد الحميد قطامش، علّهما يجدان عنده ما يسد رمقهما فوجداه مسافرا .. قال الديب : هذا نذير سوء .. فأخذه إلى بيت صديق آخر، ولما طرق الباب خرج أحد جيرانه ليقول: إن جاره قد أصيب في حادث منذ ساعة وقد حمل إلى المستشفى فردد الديب بعض الأبيات التي تصوّر سوء حظه ومنها: «لا تسألوني عن بؤسي وعلته/ سلوا به الحظ ميتا فوق أعناق»!بالرغم مما يقال إن الإنسان يصنع حظه بيده .. وبأن الشخص السوي لا يعترف بشيء اسمه الحظ، إلا أن الظروف والأوضاع المعوجة تكرّس في أذهان الناس مفهوم النحس الذي تحدث عنه (حمار نيسين الميت) .. وفي ذلك يقول أحد الشعراء: «ومن الحظ لو غسلت قميصي/ في حزيران صار شهرا مطيرا» .. لذلك فإن الحظ الجيد لا يحتاج، كما يرى شكسبير، إلى ربان كي يحمل سفينة إلى بر الأمان .. أتمنى لكم ولي حظا عظيما.hsn_saba@hotmail.com