د. عبدالوهاب القحطاني

د. عبدالوهاب القحطاني

أصبح من المسلّم به أن العولمة الاقتصادية ظاهرة موجهة بسياسات مرسومة في الدول الصناعية الممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية كرمز وقائد للرأسمالية، لذا فهي حتمية لا مفر منها بالنسبة للدول النامية والفقيرة.. وتعني العولمة الاقتصادية، بمنظورها الشامل، انه لا حدود لانتقال رؤوس الأموال والاستثمارات المباشرة والتكنولوجيا والخبرات والمعلومات بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية لتحسين الأداء الاقتصادي العالمي من خلال التكامل الاقتصادي، وهذه فلسفة نقبلها بلا شك عندما تكون مبنية على أسس قوية من العدل والمساواة بين جميع دول العالم، لكننا نرى تناقضا صريحا في توجهها وأهدافها من خلال تدفق الاستثمارات وحجمها من والى الدول الصناعية المتقدمة أو دول الشمال الغنية، ومن والى الدول النامية والفقيرة او دول الجنوب الفقيرة. ولأن العولمة الاقتصادية ظاهرة تؤثر في جميع أنحاء العالم فان الكثير من الشعوب النامية والفقيرة تنتظر مصيرها في ظل العولمة بخوف من مستقبلها، بل إإنها أشبه بالمتفرج في حلبة رياضية يتنافس فيها اللاعبون، لكن بعض المتفرجين لا يعرفون قوانين وأحكام اللعبة. وتحاول الدول النامية والفقيرة الاستفادة من العولمة الاقتصادية التي تسيطر على حديث المثقفين وعامة الناس لما تعنيه من فرص وتحديات، فالذين ينظرون لها بمنظار ايجابي يرون فيها فرصا للنمو، بينما يراها بمنظار اسود قاتم الذين يخافون من عواقبها لأنهم لا يمتلكون عناصر القوة العالمية لمواكبتها، فهي تعتبر تحديا لهم. وبالرغم من أن الدول الصناعية المتقدمة تسوّق وتروج للعولمة الاقتصادية لاستغلالها في التوسع في الأسواق العالمية إلا أننا نرى جماعات في هذه الدول تندد بها لأنها تفقدها الكثير من الوظائف عندما تفتح هذه الدول أسواقها لمنتجات الدول النامية والفقيرة التي تتصف برخص أسعارها. ويعود الفقر في الدول المتقدمة للعولمة، حسب اعتقاد الجماعات المناهضة لها، وذلك لأنها، حسب تصورهم المبني على حقائق وأرقام إحصائية غربية متحيزة ضد الدول النامية والفقيرة، تزيد من مستوى البطالة عندما تخفض الشركات في الدول الصناعية المتقدمة مواردها البشرية للتكيف مع الوضع الجديد، لذا يرون في تسريحها لبعضهم زيادة في مستوى الفقر. وهذا الافتراض صحيح إلى حد ما بالنسبة للشركة الصغيرة في الدول المتقدمة، لكنه أكثر صحة بالنسبة للدول النامية والفقيرة وشركاتها المختلفة الحجم والمنتجات، حيث تمشي مع التيار ببطء شديد وبلا رؤية واضحة لمصيرها ونصيبها من العولمة المحمومة التي تخدم الدول المتقدمة. والحقيقة إما أن تجلب العولمة الفقر معها لتعولمه في الدول النامية والفقيرة التي لا تمتلك عناصر نجاح العولمة أو إنما تفتقر للآليات المناسبة التي تحقق لهذه الدول الخروج من مأزق الفقر، وتجلب لها وسائل النهضة الاقتصادية من تكنولوجيا وخبرات، إذاً فهي عولمة للفقر وفقر العولمة. وسيزيد الفقر في الدول النامية والفقيرة نتيجة للانفتاح غير المسبوق في تاريخ الاقتصاد العالمي، بل ستفقد هذه الدول زمام الأمور السياسية والاجتماعية لتفاقم الفقر فيها. ولندع الإحصائيات تتحدث عن سلبيات العولمة في الدول النامية والفقيرة، حيث تضاعفت الفجوة بين أفقر20 في المائة من دول العالم وأغنى20 في المائة من الدول خلال الأربعين سنة الماضية، أي منذ بداية الستينات من القرن العشرين. وتصنف الأمم المتحدة الدول الأقل تطورا في العالم على أنها دول لا يتجاوز دخل الفرد فيها 320 دولارا في السنة، ويبلغ عدد هذه الدول 48، منها 42 دولة في القارة الأفريقية.asalka@yahoo.com