حسن السبع

حسن السبع

ضيف غامض على أرض مظلمة: لا أذكر أين قرأت عبارة غوته هذه. لكن، وبعيدا عن سياقها الفلسفي، فإن أجدر الناس بهذا الوصف، كما أظن، هو من يرتجف خوفا من المعرفة، فيوصد دونها كل سبيل. وإذا كان السؤال نافذة نطل من خلالها على النور؛ نور المعرفة ونور الحقيقة، فإن من يخف من السؤال يبق دائما ضيفا غامضا على أرض مظلمة. ومن أراد أن يحل ضيفا على العتمة فذلك شأنه. وهنيئا له ذلك. لكن ما الذي يسوّغ لمن يستنير بظلامه الخاص، أو من يحمل مصباحه خلف ظهره أن يكون قيِّماً على ثقافة عشاق النور الباحثين عن الحقيقة. إن شا الله، عمرك، ما اعتقدت! «أنا لا أعتقد»! هكذا صاح سرحان عبد البصير في مسرحية (شاهد ما شافش حاجة) ما أن سمع ممثل الادعاء العام يقول: «أنا أعتقد..» قال ذلك قبل أن يعرف ما الذي يريد ممثل الادعاء قوله. كانت لقطة مضحكة، غير أن سرحان إنسان بسيط وغلبان ومسالم، فهو بخلاف (الأشاوس) من هواة الاختلاف من أجل الاختلاف. لذلك فإن ورطة المجتمع العربي هي من صنع (سرحان) من نوع آخر، هو ضد كل شيء. ضد كتاب لم يقرأه، وضد مسرحية لم يشاهدها، وفكرة لم يستوعبها، ومسميات لا يعرف كيف ينطقها بشكل صحيح. هو (خلف خلاف) لكل شكل من أشكال التغيير والبناء. وهو نسخة أخرى لذلك الضيف الغامض الذي يريد أن يكون قيِّماً على حياة البشر. فإذا كان هذا النموذج عائقا في طريق التنمية والتغيير، أفلا يحق لبقية شرائح المجتمع أن تقول له ما قاله رئيس المحكمة لسرحان: «إن شا الله، عمرك، ما اعتقدت»! فقط دع قافلة الحياة تسير.بلاغة التوحش..لا يستطيع ذلك الضيف الغامض أن يدفع عنه تهمة التوحش إلا بالطريقة التي عبر عنها أحد الكتاب بسخرية قائلا: «لا يوجد وحش ليس في قلبه بقايا شفقة، أما أنا فلا يوجد شيء من ذلك في قلبي، لهذا فأنا لست وحشا». نسي أن يقول: وهو المطلوب إثباته! منطق بليغ، ولا غرابة في ذلك فكل يوم نصغي إلى (البلاغة) وهي تدافع عن التوحش والقبح والتخلف. ويا له من صوت نشاز يختزن برودة وخشونة غير بشرية تجفل منها النفس السوية! لمثل هذه البلاغة سدنة ومنظرون. أما البيادق فيرددون مقولاتهم دون وعي. لهذا يقول اكزوبري في روايته (أرض البشر): «لا أكره الذين يفضلون الخوار (صوت البقر) إنهم لا يعرفون نشيدا آخر غيره.. إنما أكره القيّم على الخوار لأني لا أحب أن يفسدوا البشر»!نعم، يوجد فرق بين المواقف المبنية على سوء الفهم، وتلك المبنية على سوء النية. لذلك ينبغي التمييز بين أهون الشرين: سوء الفهم، وسوء النية. سوء الفهم هو الأهون بالتأكيد. أما سوء النية ففيه شحنات عالية من الإجرام. سوء الفهم يمكن علاجه، أما سوء النية فليس له شفاء. والضد يظهر حسنه (أو قبحه) الضد:مثلما يوجد عشاق للجمال، يوجد، كذلك، زبائن لدكاكين القبح التي تسوق الكراهية والعنف. وقد تشاهد على الفضائيات أو تطالع في الصحف من يمجد الطغيان ويفاخر بعلاقته وعلاقة عائلته برموز التسلط وجنون العظمة. وأعجب كل العجب أن يسمع المرء شيئا من هذا القبيل فلا يصاب بالدوار!. وعلى النقيض من هذه الصورة القاتمة، ستجد من لا يقبل بمثل هذه الرموز المعتمة حتى لو كانت على شكل تمثال من الشمع. ذات يوم، كما يقول الخبر، اندفع رجل إلى متحف (مدام توسو) الذي افتتح مؤخرا في العاصمة الألمانية برلين، وقطع رأس التمثال الشمعي لأدولف هتلر، وبرر فعله ذلك بأنه أراد الاحتجاج على وضع تمثال لهتلر في المتحف. وهو بالتأكيد احتجاج على الفظاظة والمزاج الدموي وجنون العظمة وبقية أشكال القبح الأخرى. ومع أن لهذا الاحتجاج ما يبرره، إلا أن الاعتداء على كتلة من الشمع قد يكون من لزوم ما لا يلزم.hsn_saba@hotmail.com