حسن السبع
بعد كل فعالية منبرية يتسابق الحضور للتعليق على ما سمعوه. تتفاوت التعليقات، والجود دائما من الموجود. وفي أمسية شعرية أحياها نادي تبوك الأدبي قبل أسبوع، وشاركت فيها، لفت انتباهي رأي للدكتور موسى العبيدان نائب رئيس النادي. وسأنقل هنا خلاصة رأيه كما فهمته وبتصرف. فهو يرى أن بعض النصوص لا تسلم قيادها بسهولة، ومع ذلك فإن لها سحرها وجاذبيتها التي تشد المتلقي إليها، سواء فهم معنى النص أم لم يفهمه. ذلك أن بعض المضامين عميق وغني بأفكاره ومعانيه، وبعض المعاني والأفكار ليست سهلة الالتقاط، وتحتاج إلى طريقة مختلفة في النظر إلى الأشياء. أشار الدكتور العبيدان إلى المتعة التي يمنحها النص للمتلقي. بمعنى أن النص إذا لم يحقق منفعة أو فائدة مباشرة فإنه يحقق متعة. والمتعة في حد ذاتها منفعة. وقد كنا بحاجة لهذا الرأي المتفهم عندما كانت كل تجربة إبداعية تخرج على النسق المتعارف عليه مرفوضة، وينظر إليها بارتياب وكأنها مؤامرة على التراث واللغة والذائقة العربية. ويلتقي تعليق الدكتور العبيدان مع ما قاله هنري ميلر عن إبداع المخرج الإيطالي فيلليني. يقول ميلر : «مؤخرا شاهدت فيلم فيلليني (ساتيريكون) ورأيت فيلليني في مقابلتين، كلماته ذهبية. إنه يتحدث بلغة المبدع. إن لساتيريكون بالنسبة للمشاهدين العاديين وقع الصدمة. كانوا يقولون «ماذا يريد أن يقول؟» .. «ماذا يقول؟» و «عم يدور الفيلم» أقول : لا تسألوني. أعرف فقط أنني تمتعت بكل دقيقة فيه، ولا أعير معناه أي اهتمام. هنا أيضا يتحدث ميلر عن المتعة؛ متعة التلقي. في الشأن نفسه، يعترض الكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو على أولئك الذين يرفضون الفن الحديث لأنه غامض فيقول: «إنه لمن الغريب حقا أن الأشخاص الذين يرفضون الفن الحديث لأنهم لا يفهمونه، كما يقولون، هم أنفسهم يحلمون ليلا بأحلام لا يكادون يصلون إلى تفسيرها أبدا». الأحلام، تبعا لهذا المنطق، حقائق، لكنها حقائق غامضة. وليس الكلام هنا على ذلك الغموض الذي يستخدم . كما يقول الشاعر إميل سيوران، لخداع الآخرين؛ لإيهامهم بأننا أكثر عمقا منهم. أو تلك الشعوذة التي تتخذ من الغموض ستارا لتخفي عجز أصحابها عن الإبداع ـ كما يعبر أدونيس ـ وإنما الكلام على الغموض الملازم للغة الشعر وما تحفل به من صور مجازية. وإذا كانت القصيدة ـ كما يعبر رينيه شار ـ هي الحب المتحقق للرغبة التي بقيت رغبة، فإن أي نص يعطي قياده بسهولة لا يتفق مع هذا التعريف. لكن توجد بالتأكيد نصوص موغلة في الفراغ. الفراغ الذي لا يحقق المتعة ولا الفائدة. نصوص بلا مضامين. وفي غياب المضمون يصبح النص شكلا من أشكال العبث اللغوي. في (كأسك يا وطن) وحين ذهب غوار الطوشة إلى المستشفى ليطمئن على «جاهزيته» استعدادا لدخول زوجته رضية التي سوف يحمى عندها الطلق بعد تسعة شهور، طلب من موظف المستشفى أن يرى عينة من الأطعمة التي تقدم للمريض، وعندما فحصها اعترض قائلا : ماني شايف فيتامين بهالكوسة. قيل له : الفيتامين بالفواكه. قال : ماني شايف حديد بهالفواكه. قيل له : الحديد بالفول. قال : ماني شايف كلس بهالفول. قيل له : الكلس بالحليب. نظر إلى كوب الحليب وقال : ماني شايف «حليب» بهالحليب! وهذا هو شأن بعض النصوص الأدبية. حيث يمكنك، وعلى طريقة غوار، أن تقول : لا أجد شعرا في هذا الشعر. النص، رسالة إلى المتلقي، وفي غياب تلك الرسالة لا يوجد سوى الفراغ، والفراغ لا يوصف كما يقال. يقال، كذلك : إن المعنى في قلب الشاعر، وفي رواية أخرى في بطن الشاعر. ويحكى أن شاعرا كان يلقي قصائده المبهمة، وهي قصائد لا يستطيع حتى مؤلفها أن يفك طلاسمها، وتلك قدرة فريدة تتيح لصاحبها أن يكتب أشياء لا يفهمها هو نفسه. وما أن انتهى الشاعر من إلقاء قصائده حتى توجه أحد الحضور إلى منصة الإلقاء حاملا سكينا حادة. وعندما استوقفوه وسألوه : ما الذي كان ينوي فعله؟ قال : أردت أن أبحث عن المعنى في بطن الشاعر . لقد كاد صاحبنا، حين لم يجد حليبا في الحليب، يقوم بقراءة نقدية دموية، وأن يفتح بطن الشاعر لعله يعثر على معنى ما.hsn_saba@hotmail.com