محمد العلي
«اللوحة والإطاراذا انكسر اطار اللوحة، بسبب هزة أرضية خفيفة، تحمل اللوحة الى صانع اطر ماهر، فيضع لها اطارا ربما اجمل.. اما اذا تشوهت اللوحة بسبب خلل فني اصلي، وبقي اطارها سليما، فلن تحتاج اليه الا اذا نقص الحطب في المدفأة.. كذلك هي الفكرة: إذا انكسر اطارها وجدت لها إطارا اقوى واصلب.. اما اذا انكسرت الفكرة، فلن يكون إطارها السليم غير ذكرى حزينة، تحتفظ بها كما يحتفظ راع خائب بجرس كبش من قطيعه افترسته الذئاب».محمد درويش - اثر الفراشة ص 147ما هو اطار الفكرة يا ترى؟هل هو الحقيقة؟هل هو الغرابة؟هل هو التاريخ؟تتناسل الاجابات بتعدد الزوايا التي تنظر منها الى الفكرة.. والتغير هو الذي يحدد أقرب الاجوبة للصواب: فالحقيقة - مثلا - لا يمكن ان تصلح اطارا للفكرة.. فهناك آلاف الحقائق التي استقرت في اذهان الناس وفي سلوكهم.. وقد اثبت العلم انها غير صحيحة على الاطلاق.كذلك لا تصلح الغرابة اطارا للفكرة: فالغرابة من صنع المجاز اللغوي والبلاغة طائر لا يحسن التحليق الا في الآفاق الخيالية ولا يقرب الواقع الا اذا كان حلما مستقبليا يحاول بوسائل علمية وكفاحية ان يمشي على الارض.. وهذا لا يمكن ان يكون اطارا لفكرة هي متحققة الآن لا غدا.وإذن فالتاريخ هو الذي يصلح اطارا للفكرة وحده.. ولسنا نعني بالتاريخ هنا معنى ميتافيزيقيا.. بل نعني به بالتحديد (حاصل الامكانات التي تحققت) ونضيف الى هذا التعريف المشهور معطوفا ضروريا هو (.. والامكانات التي لم تتحقق) فهي وان لم تكن جزءا محسوس التأثير في الواقع الا ان تأثيرها (المسكوت عنه) قد يكون اكثر عمقا من غيره.والتاريخ اطار عجيب، لانه ليس من صنع رجل واحد ماهرا كان او غير ماهر.. بل هو اطار يشترك الناس جميعا في صنعه، جيلا بعد جيل.. وهو يتغير من نفسه: فاذا كانت الفكرة اوسع من ظرفها وشرطها المعرفي ضمها في قلبه الى ان يأتي ظرفها ويتحقق شرطها.. اما اذا كانت اضيق من ذلك مزقها ووضع بين ذراعيه - فكرة اخرى.. وهذه المرونة (المطاطية) للتاريخ هي اهم ميزان للصواب والخطأ.. واهم اختبار لإضاءة الفكرة وظلامها.ولكن كيف هي علاقتنا نحن بالتاريخ؟هل نعتبره اطارا لأفكارنا يمكن ان يتغير وان تحل محل فكرة ما فكرة جديدة.. هل نعتبره ميزانا ام نعتبره مجرد زمن مشغول بالمضي الى الماضي فقط؟لماذا أراك تضحك؟هل في سؤالي خروج على التاريخ؟ .Mali@alyaum.com