حسن السبع

حسن السبع

الإنسان أولا .. كل المؤسسات تقول بهذه العبارة الرشيقة الأنيقة الزاهية !. وعلى مستوى القول ، فكل المؤسسات متفوقة بلاغيا .. قد تدعى إلى زيارة مؤسسة ما، وتنتهي الزيارة وفي يدك حقيبة أنيقة أو متواضعة الأناقة.. سوف يدفعك الفضول إلى معرفة محتويات الحقيبة. قد تجد قلما أو آلة حاسبة، أو الاثنين معا.. لكنك ستجد، بالتأكيد، بعض مطبوعات المؤسسة.. وقد تجد في الافتتاحية التي كتبها السيد الرئيس العام ما يشير إلى أن العنصر البشري يأتي على رأس قائمة الأولويات، وهو اهتمام يهدف إلى رفع معدلات الأداء وتحسين الإنتاجية. لم أكن راغبا في العودة إلى قوانين مورفي، لكنه يدس أنفه في كثير من شؤون الحياة.. وحسب أحد قوانين السيد إدوارد مورفي : «حين يتحدث الرؤساء عن تحسين الإنتاجية فإنهم لا يشيرون إلى أنفسهم البتة»! وحيث يحصر بعض السادة الرؤساء الاهتمام بالعنصر البشري في مسألة التدريب وحده دون سواه، فسوف تبحث في محتويات المطبوعة عما يهدف إلى التثقيف، ومحو الأمية الوظيفية، وتعريف الموظف بفلسفة العمل وأهدافه لتصبح علاقة الموظف بمؤسسته علاقة قائمة على الفهم.. وهي علاقة لابد منها لرفع مستوى الأداء وتحسين الإنتاجية. لا يوجد بين محتويات تلك المطبوعات شيء من هذا القبيل .. هنالك حشد من الصور، بورق صقيل، وألوان زاهية، وإخراج أنيق أناقة مدفوعة الثمن بالتأكيد. إنها أشبه بتمثال لوسيان الشهير: «بريق من الخارج وقش من الداخل».!قد يكون الهدف دعائيا لتسويق الخدمة، ولا بأس في ذلك.. فكل منتج يحتاج إلى تسويق، وكل خطة تسويق تحتاج إلى دعاية. لكن مطبوعة أنيقة لا تستطيع أن تستر عيوب خدمة مهلهلة.. ومع ذلك فإن بعض تلك المطبوعات تفشل حتى في تحقيق الدعاية للمنتج والتواصل مع مستهلكيه، فهي عبارة عن رصد للقاءات السيد الرئيس العام وتنقلاته واجتماعاته في الداخل والخارج. أو رصد لما تنشره الصحف عن نشاطات الخدمة، وخطابات الثناء التي تلقاها من هذه المؤسسة الرسمية أو تلك .. وبالتأكيد، لن تجد أثرا لأية ملاحظة تتصل بأوجه القصور.. كما لن تجد في صخب هذه الزفَّة الاستعراضية الزاهية ظلا لذلك الإنسان (العادي) لا في متن تلك المطبوعات، ولا على هامشها.إلى جانب المطبوعات التي تعكس نشاطات الخدمة توجد مواقع إلكترونية على الإنترنت، فقد سهلت تقنيات الاتصال الحديثة على المسؤول الاطلاع على آراء وانطباعات مستهلكي الخدمة، كما أنها وسيلة عملية لربط من هم في قمة الهرم الوظيفي بالأفراد العاديين، كي لا يشعر الفرد العادي بأنه مجرد ترس مهمل في آلة كبيرة .. غير أن كثيرا من مواقع المؤسسات على الانترنت، ليست أفضل حالا من مطبوعات المؤسسة، إن لم تكن نسخة أخرى منها. إن قنوات الاتصال التقليدية المتمثلة بالمراسلات والتعليمات والتأشيرات وحدها لا تكفي .. قنوات الاتصال التقليدية لا تساعد من هو في قمة الهرم الوظيفي على التعرف على آراء وانطباعات واقتراحات الأفراد العاديين .. فصوت الموظف العادي لا يصل إلى أبعد من رئيسه المباشر، وإذا اتفقنا مع ما يقوله السيد مورفي، فإن هذا وحده لا يجدي نفعا.. فقانون مورفي المتعلق بهذا الشأن يقول: «المسؤولون الوحيدون الذين تجدي مراجعتهم هم الذين لا يقابلون الناس»!غير أني سأكون بعيدا عن جادة الصواب لو قلت إن هذا الموظف يبقى منسيا في كل الأحوال .. هنالك من يتذكره بالتأكيد حين يرتكب خطأ ! وحسب قانون السيد مورفي فإن «كثافة السجادة في مكتب المسؤول الذي استدعاه مقياس لفداحة المشكلة التي سيواجهها»! في كتابيهما (في البحث عن التميز) يستعرض المؤلفان توماس بيترز وروبرت واترمان دروسا من بعض المؤسسات أو الشركات الناجحة؛ مؤسسات تتعامل مع أصغر منسوبيها باحترام، وكأشخاص راشدين، وشركاء في المشروع، وجزء من المدخرات الثابتة التي تدر أرباحا كبيرة.. وهي بهذا تحرز نتائج غير عادية من أفراد عاديين.. لكن ذلك لا يتحقق دون علاقة قائمة على التعامل الناضج، وعلى اقتناع الفرد بأهمية ومعنى العمل الذي يزاوله.. في غياب المعنى يتحول كل جهد إلى شكل من أشكال العقاب. و«الأشغال الشاقة توجد هناك حيث يضرب قوم بالرفش ضربات لا معنى لها» كما يعبر أحد المفكرين. hsn_saba@hotmail.com