محمد العلي
المقال السابق قارب بعض الأسباب التي تؤدي إلى الأسئلة الراكدة في مجتماعاتنا الثالثة.. ويطمح هذا المقال إلى مقاربة تحول الأسئلة ومدى هذا التحول وسرعته وماهو نصيبنا من هذا التحول بعد أن أصبح العالم أشبه بالأواني المستطرقة لوحول العولمة.الأسئلة إفراز الإشكاليات التي تواجه مجتمعا ما, في حياته المادية والروحية.. وكلما تعددت هذه الاشكاليات وتعقدت تطلبت سرعة الإجابة عليها.. غير أن هذه السرعة لا تهبط القدرة عليها من الفضاء.. بل تنبع من المجتمع.. متى يكون هذا المجتمع على أهبة ومقدرة وجرأة للإجابة على هذه الأسئلة!!لا يكون المجتمع قادرا على الإجابة على الأسئلة التي تطرحها ظروفه المادية والروحية إلا إذا غيّر طريقة تفكيره.. إذا غيّر البنية الذهنية التي تسيطر عليه بتراكمها التاريخي.. غير أن هذا لا يتبلور إلا بشروطه.إن التنوير الأوروبي الذي غيّر طريقة تفكير مجتمعاته كلها تم لأسباب عديدة.. أهمها كسر احتكار تفسير المقدس وفهمه المتاح للجميع الذي صنعته البروستانتية وكذلك تيارات الفلسفة المختلفة التي أعطت ظهرها للتفكير في الوجود.. إلى التفكير في شروط الوجود.. وثالثها التراكم الاقتصادي الهائل.. مع غض النظر عن سبب هذا التراكم هل هو المرحلة الصناعية ام المرحلة الاستعمارية التي لا يزال العالم الثالث يئن منها حتى الآن.هذه الأسباب وغيرها هي التي جعلت العالم الأوروبي يجعل التاريخ مسرعا في بضعة قرون أكثر من سرعته لملايين السنين.. صحيح أن الإجابات الروحية في الغرب أبطأ من الإجابات المادية ولكن مرد هذا لا إلى العقم, بل إلى نوع من الحصار جوبهت به هذه الإجابات.ليس هناك جواب واحد على كل إشكالية من إشكاليات المجتمع المادية والروحية.. بل يجب ألا يكون.. أي يجب أن تكون الأجوبة المتعددة ذات هدف واحد, وإن اختلفت نقطة انطلاقها.. ففي هذا خصب التعدد الذي يمكن وصفه بـ(الواحد) ولكن هذا يختلف باختلاف المجتمعات.. ففي بعضها يكون التعدد ثروة.. يكون زيادة في الضوء.. أما في بعضها الآخر فيكون مفتاحا لباب جهنم.إن الأجوبة في عالمنا نحن وأمثالنا تخرج من طابعها الاحتمالي أو الجزئي المنطلق من زاوية واحدة.. تصبح وكأنها فتيا.. تصبح عقيدة عند كل اليمين واليسار على حد سواء.. وحين تصبح الإجابة عقيدة فهي تؤدي إلى شيئين : إلى تفرق المجتمع بدلا من توحده وإلى رسوخ هذه الأجوبة إلى أمد لا حدود له.. وبذلك يكون سورا يمنع الأجيال القادمة من الإجابة على أسئلتها.لن نصل إلى طرح الأجوبة, فضلا عن الأسئلة بدون توافر شرطين : التمتع بالفردية بمعناها الذي يعني الحرية بكل أشكالها وصورها.. أما الثاني فهو ما توضحه المقولة التالية «إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش».هذه المقولة الدالة ليست لكارل ماركس أو أحد مريديه.. إنها لابن خلدون.. مما يعني أن العامل الاقتصادي أو مستوى المجتمع الاقتصادي هو الذي يغيّر طريقة تفكيره.. وبذلك تتغير أسئلته وأجوبته معا.Mali@alyaum.com