حسن السبع
يقال: «حدّثْ العاقل بما لا يليق، فإن صدَّق فلا عقل له».. لكنك قد تجد، أحيانا، من يحدثك بما لا يليق، وينتظر منك أن تصدّقه، أي أن تطلّقَ عقلك طلاقا بائنا لتصبح فطنا أكثر من اللازم .. وعليك تبعا لذلك المنطق أن تفسّر الأحداث والوقائع، وكأنها من فعل أياد تعمل في الخفاء.. عليك أن تتجاوز الحيثيات والوقائع والأسباب الواضحة لتبحث عن تفسير عجائبي لا محل له من المنطق. تختلف الدوافع ووهم التآمر واحد .. فهنالك المتذاكي الذي ينطلق من مبدأ «خالف تعرف». ولا بد له من اختراع فرضية تحقق له شيئا من الألمعية. وهنالك من تقضّ الحقيقة مضجعه فيعلق الأخطاء على مشاجب أخرى لينام قرير العين.. ومنهم من يخشى النقد الذاتي. وفي غياب النقد الذاتي نوجّه الاتهام إلى قوى خفية تستهدفنا، وتعمل ضدنا، لتعيق تحركاتنا، وتجهض أحلامنا. وغالبا ما يقود التشخيص الخاطئ إلى وصفات علاجية خاطئة، تكرس الداء ، أو تعمل عمل المسكنات المؤقتة.لكن كل المؤامرات تهون إلا تلك المؤامرة التي حيكت ضد (سعيد أبو الفِطَن) تبدأ حكاية سعيد على النحو التالي: كان مزاج الطقس معتدلا، وكان السوق، يومئذ، عامرا ببضائع تجار الجملة والمفرق الذين تحتل مخازنهم مساحات كبيرة من حيز السوق تليق بالمعروضات الكثيرة المتنوعة. وكان سعيد يحتل مساحة صغيرة في نهاية السوق، هي عبارة عن متر مربع يتسع لكرتونين يعرض فوقهما شيئا من البسكويت واللب واللبان.. كانت بضاعة بسيطة. ولم يكن بائعا بالمعنى الدقيق لهذه التسمية، بل كان أشبه بمن يمارس البطالة أو الشحاذة المقنعة.«النار من مستصغر الشرر» ! وقد اتقدت الشرارة الأولى في السوق بحديث عابر بين بائعين من تجار الجملة .. كان وديا في بدايته، لكنه انحرف عن جادة الود، وشيئا فشيئا تحوّل إلى شجار عنيف علت فيه الأصوات وتشنجت فيه العبارات، وتحوّل إلى خصام، ثم تعطلت، بعد ذلك، لغة الكلام عندما قذف أحد الخصمين نظيره بصندوق فارغ.. تناوله الآخر ورماه جهة خصمه، ثم اشتبكا بالأيدي، وعاث كل واحد منهما في ممتلكات الآخر تدميرا.. سرت عدوى تلك المعركة إلى الدكاكين المجاورة، وانقسم السوق على نفسه، وفي معمعة تلك الفوضى دمر السوق بأكمله.. وانتهت معركة السوق تلك بتدمير (بسطة) سعيد التي يعرض فوقها علب البسكويت واللب واللبان. كان سعيد يعتقد أن «سوء الظن من حسن الفطن»؛ فكان يسيء الظن في كل شيء، ويشكك في كل شيء، ويفسر الأشياء بطريقة تشاؤمية.. اقتنع سعيد، عندئذ، بأن كل تلك المعارك التي دمرت السوق بأكمله إنما افتعلت لكي تخرب بسطته الصغيرة.. وبأن ما حدث ليس سوى مؤامرة دبرتها قوى التآمر في جنح الظلام. يمكن كذلك أن نلاحظ هذا الشعور بالمؤامرة لدى شاعر شاب قال لأوسكار وايلد: «هنالك مؤامرة صمت تحاك ضد أشعاري».. وعندما اطلع وايلد على قصائده نصحه بالانضمام إلى بقية المتآمرين! أي أن «يصمت» عن قول الشعر. ولم يكن المطرب الشعبي (شعبولا) أقل غبنا من بطلي الحكايتين السابقتين. فعلى إثر دخوله المستشفى بعد حالة إغماء، وظهور شائعة تتهمه، ظلما، بحيازة (ممنوعات) وجّه، بدوره، إصبع الاتهام إلى الصحفيين بتشويه سمعته، ودعا عليهم. ( «اليوم» 12964 الجمعة 12/12/2008) لكنه وسّع دائرة الاتهام، لاحقا، لتشمل الرئيس باراك أوباما وإسرائيل، فقال في أغنية طازجة: «سألوني في مين تشك عشان عايزين دليل/ أنا قلت: يمكن أوباما أو حد في اسرائيل.... وإيييييه»! وكنتُ، قبل قراءة كلمات هذه الأغنية، أعتقد أن أوباما مشغول بقضايا اقتصادية وسياسية شائكة ! أعود إلى سعيد صاحب (البسطة) البسيطة، فهو يستحق الشفقة.. لكن منطقه لا يختلف كثيرا عن منطق بعض المثقفين المسكونين بوهم المؤامرة. ولا يختلف عن منطق الكيانات البسيطة التي تعتقد دائما أنها مستهدفة ومحسودة على فقرها وتخلفها ! والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: ما دام أولئك السادة بتلك النباهة الخارقة، «ويفهموها وهي طايرة» فلماذا استجابوا لمؤامرة تلك القوى الأثيرية التي تتربص بهم؟ ولماذا قبلوا باقتراح وايلد، وانضموا إلى بقية المتآمرين، أو (المآمرين) كي لا يتهمني سدنة اللغة العربية بالتآمر عليها!.hsn_saba@hotmail.com