حسن السبع
تناول المقالان السابقان بعض قوانين مورفي بالتعليق، لكني، ولضيق المساحة، لم أتطرق بشيء من التفصيل إلى نبرة التشاؤم في تلك القوانين .. فقد كان السيد إدوارد مورفي، صاحب القوانين الشهيرة، مفرطا في تشاؤمه إلى حد مضحك. فالرياح دائما تجري بما لا تشتهي سفنه.. لذلك فإن لقوانينه التهكمية القدرة على التسلل إلى أكثر الأمور كمالا وإحكاما لتشخيص وكشف بذور فسادها. وهي قوانين لا علاقة لها بالتشريع، لأنها تحاكي القوانين العلمية كقانون الطفو والرافعات والجاذبية.. وإذا كان قانون الجاذبية لدى نيوتن ينص على «أن كل جسم يجذب جسما آخر بقوة محمولة على الخط الواصل بين المركزين وشدتها متناسبة طرديًا مع كتلتيهما..» إلى آخر القانون.. فقانون مورفي المتعلق بسقوط الأجسام يتخذ شكلا آخر.. يرى مورفي، على سبيل المثال، أنه إذا قدر لأي جسم أن يسقط فسوف يقع في المكان الذي يمكن أن يتسبب فيه بأكبر أضرار أو (تلفيات) ممكنة.. ويؤكد هذا القانون الذهبي بقانون آخر يتعلق بسقوط الأجسام كذلك يقول فيه: «إن احتمال سقوط خبز مدهون بالزبدة على السجاد يتناسب طرديا مع قيمة السجاد».. أي كلما كان السجاد ثمينا كان احتمال سقوط الخبز المدهون بالزبدة عليه أكثر.. وبذلك تتحقق تلفيات وأضرار مادية أكثر، كما ورد في القانون السابق. وحين يحاول مورفي أن يكون متفائلا قليلا، ويقترح علينا، في أحد قوانينه، أن نسرع قبل أن يلحق بنا الحزن، وأن نبتسم رغم سوء الأحوال، فإنه لا يلبث أن يذكرنا بما يكدر الخاطر: «ابتسم الآن، فإن غدا سيكون أسوأ». ولا تنتهي الأمور لدى مورفي عند هذا الحد إكراما لخاطر الشاعر الذي قال: «اشتدي أزمة تنفرجي/ قد آذن ليلك بالبلج».. فهو يرى أنه «بعد أن تذهب الأمور من سيئ إلى أسوأ سوف تعيد الدائرة نفسها»! وحين يقول لك: إن الأمور سوف تسوء قبل أن تتحسن، فإنه سرعان ما يتدارك قائلا: ومن قال لك إن الأمور سوف تتحسن ! وعندما يقول مورفي إن الطابور أو المسار الذي نقف فيه يتحرك ببطء، بخلاف المسارات الأخرى فهي تتحرك بسرعة، فهو لا يحاول أن يشرح حالتنا النفسية أثناء وقوفنا في الطابور، أي شعورنا بأن المسارات الأخرى تتحرك بشكل أسرع، وإنما يتحدث عن واقع الحال، وبطريقة تهكمية عن علاقة السفن بالرياح.وفي الوقت الذي نمقت فيه ذلك المزاج الكلبي العيَّاب المتشائم لدى بعض الكتاب، فإننا نتقبل النقد والتهكم من مورفي ومن لفَّ لفه، بسبب تلك الدعابة التي يغلف بها قوانينه التهكمية، فهو تهكم وتشاؤم ضاحك يمزج الجد بالهزل. من وجهة نظر مورفي فإن «التوقعات المتشائمة تؤدي إلى نتائج سيئة، كما أن التوقعات المتفائلة تعطي نتائج سيئة كذلك» وبناء عليه فإن التفاؤل أو التشاؤم ليسا عنصرين فاعلين يمكن الاعتماد عليهما. الآن، وأنا أوشك أن أختتم هذا المقال، ينبغي أن أحصر موضوع التشاؤم والتفاؤل في مجال الكتابة .. حيث لا يرى المتفائل إلا النصف المليء من الكأس، ولا يرى المتشائم إلا النصف الفارغ منه.. ويبدو أن على الكاتب أن يكون في منطقة وسطى عنوانها (التشاؤل) ولكن ليس على طريقة (سعيد أبو النحس) في رواية إميل حبيبي (المتشائل) الذي عندما يحصل له مكروه يبدو راضيا بذلك المكروه لعدم حصول مكروه أكثر.. إن كاتبا يفكر بطريقة (سعيد أبو النحس) لن يغير أو يؤثر في محيطه.. وإذا افترضنا أن الكاتب ربان يدير دفة سفينة التغيير الاجتماعي أو الثقافي، فإن الربان الواقعي لا يدع للتفاؤل أو التشاؤم خانة في حساباته .. فالربان المتشائم، كما يقال، يشكو من الريح، والمتفائل يرجو تغيير اتجاه الريح، والواقعي يضبط الأشرعة. صحيح أن الكاتب المتفائل المنسجم مع محيطه انسجاما تاما لا قدرة له على التغيير، فكل شيء عنده على ما يرام، وليس بالإمكان أكثر مما كان .. لكن هذا ليس مبررا كافيا لأولئك الكتاب الذين لا يرون في الوجود شيئا جميلا على الإطلاق. وإذا كان الأمر كما يقول أيزنهاور: لم يربح التشاؤم معركة قط .. فعلى الكتاب الذين يعيشون هذه الحالة أن يضبطوا الأشرعة، أو أن يتحلوا بدعابة مورفي. hsn_saba@hotmail.com