محمد الحرز

محمد الحرز

عجيب أمر بعض المثقفين العرب عندما يتحدثون عن الدبلوماسية العربية والسياسات التي تتخذها والنتائج المترتبة عنها , خصوصا في قضايا مهمة ومصيرية تمس جميع العرب كالقضية الفلسطينية, فإنهم يحصنون كلامهم بمصطلحات من قبيل الواقعية والعقلانية وسياسة الأمر الواقع ومنظومة القوانين الدولية..إلخ , ظنا منهم أو وهما أنهم بذلك يستطيعون أن يكونوا في نظر الغرب – وأنا أتحدث هنا عن الغرب السياسي- متنورين وعقلانيين حيث يكفي أن تتصف بهما في نظر هؤلاء حتى تفتح لك الأبواب , وتكون من المقربين ,بل ومن المرحب بهم في هذه الدولة أو تلك. وقد ترتب على هذا الموقف لدى البعض قصور في النظر أو لنقل ازدراء وتعال على ما يجري في الشارع العربي من غضب حقيقي أصبح يتراكم بفعل الغطرسة الإسرائيلية واستهانتها بحياة الإنسان العربي الفلسطيني ودمائه التي تسال في غزة, على اعتبار أن هذا الغضب عندهم مجرد تنفيس في أحسن الأحوال, ومجرد ضجيج وغوغاء في أسوئها ,بحيث لا يتجاوزه إلى موقف سياسي مشروط بوعي تاريخي يحكم مسار القضية وتداعياتها ضمن مسار التاريخ السياسي العالمي.ما خطل هذه النظرة؟ وما أثرها على الوعي السياسي العربي؟ أولا ينبغي التمييز بين القيمة الفكرية والتاريخية لتلك المصطلحات المذكورة آنفا في الوعي السياسي العالمي, وبين طرق توظيفها واستخدامها في الوعي السياسي العربي. فالأولى بلاشك هي إحدى المكتسبات المعرفية التي أصبحت قيما كونية تتبناها أغلب شعوب العالم التي تنشد الحرية والمساواة والعدالة. فالعقل والعقلانية رغم اختلاف ثقافات الشعوب حول النظر إليه كمفهوم وتاريخ إلا أنه لا يختلف عليه اثنان في المعمورة حول أهمية ترسيخه كمفهوم وممارسة, وعلى هذا فقس بقية القيم الأخرى من ديمقراطية وليبرالية وحقوق وقانون.لذلك لا يذهب نقدي إلى هذه المفاهيم والقيم في حد ذاتها, ليس مجالها هنا في هذه المقالة , ربما في أخرى نعود إليها بالتحليل. لكن تحليلي ينصب على ما يمكن تسميته بأسوأ أشكال الاستخدام الإيديولوجي لمثل هذه القيم والمصطلحات عند بعض المثقفين العرب. كيف يتم ذلك؟ خذ على سبيل المثال الجدل الذي يدور الآن في بعض الفضائيات حول ما يجري في غزة, فالبعض منهم حين يسأل عن رأيه في موقف الشارع العربي وما تجري فيه من مظاهرات , دائما ما تكون إجاباتهم فيها شيء من الاستهجان والازدراء والتعلل بوصف هذه الجموع بالانفعالية والعاطفية وعدم فهم الأمور السياسية وعدم وضوحها عندهم. والسبب كما يبدو لي هو في الموقف المسبق من عامة الناس في أذهان هؤلاء النخبة , وهو موقف ناتج عن تصور موروث لازال يضع الحواجز والعراقيل في طريق فهم ما يجري من حراك اجتماعي وثقافي يرتبط في أغلب الأحيان بالأمور الصغيرة- وليس بالمقولات الكبرى والجاهزة كسلعة للتصدير والاستخدام- التي لا ترى بالعين المجردة , ولكن تأثيرها كبير على حياتنا اليومية , حيث انطلاقا منها يمكن أن تحدث تغيرات هائلة في المستقبل في البنية الاجتماعية أو في البنية الثقافية والسياسية والروحية. أليس هذا ما تثبته الأبحاث والدراسات المتخصصة في علم الاجتماع الإدراكي لليومي والمظاهر والعادي. والمفارقة هنا التي تدعو للتعجب والاستغراب هو أن البعض من هؤلاء المثقفين – لا أريد الدخول في سجال ذكر الأسماء حتى لا أخرج من تحليل هذه المفارقة بوصفها ظاهرة تعيشها ثقافتنا العربية إلى دائرة المماحكات التي لا تجدي نفعا في مثل هذه المقاربات- يصمتون صمتا مريبا حول قضايا يتطلب الحديث فيها استدعاء مفاهيم ومصطلحات كالعقلانية على سبيل المثال, خصوصا في المسائل التي تمس نقد التراث ونقد الاستبداد السياسي والفساد الأخلاقي إلى غيرها من القضايا ذات التكوينات الجذرية في شخصية الإنسان العربي. إن هذا الصمت نراه عندهم يأخذ شكل المحافظة على خصوصية التراث وقدسيته , وصون التقاليد من الغزو الثقافي الخارجي, وهلم جرا من هذه التبريرات التي تخفي خلفها ركاما من العقد النفسية والتربوية والأخلاقية التي أسست ومازالت لمفهوم الازدواجية في ثقافتنا العربية, بحيث يمكن أن نتلاعب بالمفاهيم والمصطلحات ونستخدمها حسب ما تقتضيه المصلحة الآنية والموقف النفعي المطلوب, ونلبسها متى شئنا ذلك ونخلعها متى شئنا ذلك أيضا, لا يردعنا في ذلك لا وازع أخلاقي , ولا إخلاص معرفي, ولا حب للإنسان نفسه. صحيح أن من يصنع الوعي الاجتماعي ويبلور الرأي فيه هم النخب المثقفة , لكن شريطة أن يتم ذلك في جو مفعم من الاحترام المتبادل بين الجمهور والمثقف . أليس هذا ما اتسم به مفكرو عصر الأنوار . لقد احترموا عقلية الجماهير وتوجهوا إليه, واضعين ثقتهم فيه, معتقدين بطاقة هؤلاء الجماهير في التغيير والتطور والرقي كما كان يردد ذلك دائما روسو. ربما ما يزيد في الطين بلة , من جهة ترسيخ هذا الموقف الازدرائي من الجمهور هو عدم فاعلية مثل هذه المظاهرات ونفي تأثيراتها سواء على مستوى التحول السياسي أو على مستوى التغير الاجتماعي والعلاقات العامة فيه.فكلما حلت كارثة على المجتمعات العربية وظهرت الجماهير للتعبير عن رأيها سرعان ما تهدأ وكأن شيئا لم يكن. وأصبحت هذه الصورة نمطية من كثرة ما تكررت في الآونة الأخيرة من احتلال العراق ومن ثم حرب تموز والآن الهجوم على غزة.لكن ما يلفت نظرنا بهذا الخصوص هو أن التاريخ يعلمنا أن الجماهير بطبيعتها ثائرة , ولكن لاحقا يمكن أخذ أسباب النهوض من تداعياتها على الوعي والفكر.Mohmed_z@hotmail.com