محمد العلي
لن تجد عنوانا صدئا أكثر بؤسا من هذا العنوان (قرأت لك) فهو متحدر من أزمنة الأمية التي سيطرت على الناس.. وكان من يعرف مجرد القراءة علما في رأسه قمر.. ثم راح يستخدمه كثير من الكتاب وأنصافهم في ساحتنا الكتابية.. الأمر الذي يعطينا اليقين من أن مستخدمه يستخف جهارا بقدرة من يخاطبهم على القراءة أو على الفهم.قرأت لك شبيه بأخيه (نظرت لك) الذي تستخدمه العجائز الخاطبات في الزمن الذي مات حين تصف قطيعا من الصفات صفا صفا.. وتقول للشباب.. ماذا تقول؟ فيوافق على الصفات لا على الموصوفة.ومع ذلك، أي مع معرفتي بالصدأ الذي يتربع داخل هذه العناوين.. سأستخدم من الآن فصاعدا عنوان (قرأت لك) بدلا من عنوان (سريالية) لأن عنوان سريالية فيه من الأبحات طيور يصعب اصطيادها أحيانا.يقول محمد الماغوط في العصفور الأحدب:(إن كلمات العالملا تملأ غمدا فارغا)لهذا لن أكتب عن فلسطين (فكل ما سيكون كان) بل قرأت لك نصا لمحمد الماغوط نفسه يختلط فيه الهزل بالجد وتتأنسن فيه الكلاب البعيدة لا كلابنا التي تغط في النباح فقط.. فهل تقبل مني هذا العنوان؟ كلا.. لا أظن أنك تقبل فأنت لك اختيارك ولك عينان راح ينأى عنهما السهر.. ولك من رهافة الحس والحدس والهجس والجرس والشط وفن البط.. ما يؤهل سيادتك لارتياد أجمل النصوص وأبعدها عن الفضاء البائس الذي يطبق على الماغوط وعلى أمثاله.(كان المثقف العربي غارقا في بث همومه ومكنونات صدره للكلب الصغير المتثاقل ترفا واسترخاء في إحدى سيارات السلك الدبلوماسي الأجنبي وسط تجمع المارة وسخريتهم.. عندما أقدم أحد رجال الشرطة مسرعا بمسدسه وهراوته وأصفاده وغيرها من عدة الديمقراطية العربية:المثقف: سنتابع حديثنا فيما بعدالكلب: لم يرتجف صوتك وتصطك ركبتاك؟!المثقف: لقد جاء الشرطي.الكلب: وإن جاء.. ما علاقته بك أو بسواك؟المثقف: إذا لم تفهموا هذه العلاقة حتى الآن فلن تفهموا ما يجري في منطقتنا أبدا.الكلب: أنا لا أخاف من حلف الأطلسي.المثقف: لأن حلف الاطلسي قد يراجع بشأنك إذا ما تعرضت لمكروه.الكلب: اليس لك أهل وأصدقاء يراجعون بشأنك؟المثقف: طبعا، ولكن المشكلة أن الذين سيراجعون بشأني سيصبحون بحاجة لمن يراجع بشأنهم.. الآن وصل الشرطي.. أرجوك أن تتصرف وكأنك لا تعرفني.الشرطي: ما هذا التجمع وسط الشارع؟المثقف: ألا تسمعون: ممنوع التحول؟الشرطي: هيا.. كل في حال سبيله.المثقف: مواطن يتحدث إلى كلب.. هل هي فرجة؟الشرطي: بل جريمة (...) عم كنتما تتحدثان؟المثقف: موضوعات عامة.. كنا نتحدث عن الحب.الشرطي: كذاب.. لا أحد يحب أحدا.. الخ)..الشاعر السوري الكبير محمد الماغوط/سأخون وطني ص 46/47.Mali@alyaum.com