حسن السبع

حسن السبع

أعود مرة ثانية، يا سيد ادوارد مورفي، لأعلّق على قانون ظريف آخر من قوانينك المحفزة على الكتابة، ذلك هو القانون الخاص بالغباء، والذي صِغته على هذا النحو: «يستحيل تحصين أي أمر ضد الأغبياء لأن غباءهم مبدع». وفي ترجمة أخرى أكثر دقة: «يستحيل تحصين أي أمر ضد الغباء، لأن الأغبياء مبدعون» ومن ثم يستطيع ذلك الغباء الخارق أن يدس أنفه في كل شيء، ويفسد كل شيء. نحن إذن أمام ما يسمى بالغباء المبدع.. وليس أغرب وأظرف من قوانينك، يا سيد مورفي، إلا استخداماتك اللغوية. تعرّف معاجم اللغة الغباء بأنه الغفلة وقلة الفطنة. فكيف تكون الغفلة مبدعة ؟ حاولت أن أتخيل أمثلة على ذلك الغباء المبدع فوجدت الواقع يزخر بمن يملكون طاقات إبداعية تمارس تعطيل الحياة بشكل مدمّر، ويعتقدون أنهم يحسنون صنعا. وهو اعتقاد يتفق تماما مع ما ذهب إليه ابن الجوزي في تعريفه للحمق والغفلة .. فقد كتب في مقدمة كتابه الشهير (أخبار الحمقى والمغفلين) يقول: «معنى الحمق والتغفيل هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود.. فالأحمق مقصوده صحيح، لكن سلوكه الطريق فاسد».. ويستشهد ابن الجوزي في هذا الشأن بحاكم طار منه طائر فأمر أن يغلق باب المدينة. ويعلق على ذلك قائلا: « فمقصود هذا الرجل حفظ الطائر».. أرأيت، يا سيد مورفي، كيف فات على ذلك الرجل أن يغلق باب الفضاء الواسع لكي يسترد الطائر؟ وإذا كان إغلاق باب المدينة تصرفا غبيا، فإن إغلاق باب الفضاء أمر مستحيل .. لكن لا شيء يستعصي على بعض العقول (المبدعة) حسب تعريفك الساخر للإبداع.أذكر، يا سيد مورفي، أنني قد استشهدت في سياق آخر بقصة مشابهة لقصة ابن الجوزي استهل بها إدوارد دي بونو كتابه (الصراعات). وهي قصة طريفة ومرعبة في الوقت نفسه. قصة امرأة وضعت كلبها المبتل، وهو يرتجف، في الفرن حتى يجف.. والقصتان تعكسان نموذجا لكيفية استخدام بعضهم عقله بطريقة غير سوية .. لقد تصرفت تلك المرأة بحسن نية.. فهي من أولئك الذين يصح عليهم التعبير القائل: «أراد خيرا فأضر».. وتلك نتيجة متوقعة لغياب الوعي أو الإدراك. إن أكثر مشاكل البشر، كما تعلم، ناجمة عن تشوّش في الرؤية .. هنالك على سبيل المثال من يشارك في سباق هو أشبه بـ (ماراثون إلى الوراء) لكنه يعتقد واهما أنه يتّجه نحو المستقبل، مع أنه يعيش خارج الزمن، أو على هامشه في أحسن الأحوال.لا أعرف، يا سيد مورفي، الحيثيات التي صغتَ على ضوئها أو ظلمتها قانون (الغباء المبدع) .. لعل عاملا أخرق، أو كما نقول بالبلدي: «غشيم ومتعافي» أراد أن يتذاكى فأفسد بعبقريته الخارقة عملا ما، ربما حدث ذلك عندما كنت تعمل مهندسا لحساب سلاح الجو، فانتابتك، عندئذ، موجة من التهكم، وحين عدت إلى مكتبك دوّنت هذا القانون الذهبي الساخر.. ذلك مجرد افتراض، ولعل وراء قانون (الغباء المبدع) قصة أخرى. حسب تعريف ابن الجوزي فإن مقصود ذلك الغشيم صحيح لكن الطريق الذي سلكه معوج. ولعل تلك النية الحسنة لذلك العامل هي التي ألهمتك قانونا آخر يقول: «إذا لم يكن الإناء مكسورا فلا تصلحه». وفي رواية أخرى: «لا تستطيع إصلاح شيء صالح»!مع هذا، يستطيع ذلك (الغباء المبدع) أن يبتكر من الأساليب ما يجعل البسطاء يدورون حول جاذبيته دائما. فإذا ضمن تلك القوة الغوغائية الضاربة فإنه يتعذر أن تواجهه بقوة المنطق أو منطق القوة.. فإن فعلتَ ذلك، يا سيد مورفي، فإنك على الأرجح لم تسمع بالمثل الشعبي القائل: «مين يقول للثور أنا عنتر»! ورد في الأمثال، يا سيد مورفي، قولهم: «أبلد من ثور».. وها نحن نعود ثانية إلى قانونك المتعلق بالبلادة وقلة الفطنة، وللغباء المبدع الذي يستخدم القوة بمعزل عن العقل .. أي ذلك الغشيم المتعافي .. أجل يا سيد مورفي، يستحيل تحصين أي أمر ضد الأغبياء، فهم يدسّون أنوفهم في كل شأن من شؤون الحياة، ولم أفهم سبب تلك الشعبية التي تتيح لهم التغلغل هنا وهناك إلا عندما قرأت نص قانونك القائل: «يتزاحم الأغبياء على المكان الذي يزدحم بالأغبياء»! hsn_saba@hotmail.com