مطلق العنزي

مطلق العنزي

كنا نعتقد أن نضال الفنادق قد انقضت عدته، وأن مناضلي الفنادق قد ولوا مع انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي وانقلاب الكائنات الاشتراكية إلى دعاة ليبرالية وبعضهم انقلب رأسمالياً حتى النخاع يكفر بلينين وبالمنافيست ويوالي آدم سميث.ولكن غزة أعادت موضة نضال الفنادق إلى أوج عهدها ولمعانها.وهذا النوع من النضال لا يتطلب سوى ميكرفون وحنجرة صوتية، جوهرية إن أمكن، ومؤثرات صوتية، وكاميرا فضائية.كثيرون انخرطوا في النضال بحماس لا مثيل له، من أجل غزة، ويحرضون ويشتمون يميناً ويساراً، ويضربون فوق الحزام وتحت الحزام وفي الركب. ويتشنجون، إظهاراً للغيرة في دعواتهم لمناصرة غزة.ويفحشون في الكلام ضد «المتقاعسين».. ويطلبون كل من ينتمي إلى الثقلين أن يهب للجهاد.وهذا من أعمال الخير ونصرة المظلومين المحصورين بين النار والنار التي تمطر من السماء وتهب من البحر وتأتي من كل جهة.وكل هذا النضال وهذا التشنج وهذه الغيرة جميلة.. ولكن ما يعيبها أن أصحابها قد نسوا شيئاً واحداً. أنهم يطلبون العمل من كل إنسان إلا من أنفسهم.وهذا النفاق بعينه.. ويفرغ كل تشنجاتهم من أية نية صالحة.وهذا هو نضال الفنادق، لأن الكلام رخيص. وتمتليء الأحزاب العربية والمؤتمرات العربية والحناجر العربية بأطنان الكلام الإنشائي الفارغ الذي لم يعد كلاماً ولم يعد سلبياً فقط بل أصبح مضراً ومسيئاً. لأنه يضلل الناس، وينعشهم بـ«خطابات مخدرة» ويوحي للمجاهدين بمساندة وهمية.وهذا استخفاف بذكاء الناس وبدماء المجاهدين المقاومين.والمشكلة أن منضالي الفنادق الخطابيين يستمرون في تعاطي هذا النوع من «المخدرات». وقد منحتهم الفضائيات فرصة ثمينة لـ«ترويج» مخدراتهم على نطاق واسع.وهؤلاء المتشنجون الذين يجيدون الكلام المخدر هم سبب بلاء الأمة ونكساتها وهزائمها وهم أعداء يظهرون برداء الأصدقاء ومنافقون يلبسون أقنعة المخلصين. وهم أسوأ من الأعداء. لأن مهمتهم هي التضليل وطمس الحقائق، والإيهام بدعم غير موجود.وما دام أن مناضلي الفنادق ومروجي «المخدرات الخطابية» مستمرون في مهامهم فلن تنهض الأمة ولن تنتصر لأن هؤلاء يخطفونها إلى عالم الأوهام والضلالات وظلاميات الهزائم.وما دام هؤلاء يعطون كل هذه الوجاهة في الفضائيات، فإن غزة وفلسطين والقدس سوف تستمر في الغرق بدماء أطفالها وأبريائها. وسوف تستمر إسرائيل في سكب أطنان الموت بينما هؤلاء يسكبون أطنان الكلام المسيء المضر والمهين للأمة. والأمة تصفق لهم، وتتحول إلى قطعان يوجهونها إلى حيث لجة الظلمات الطباق. وترجسدها النحيل قربان لآلهة الموت.إذ وجه الموؤودة، وخصل شعرها البهية ونواح الأم، ترانيم المساءات الحزينة.الجوع والموت..والحصار والنار..و«المتحضرون» القتلة يتباهون ببطولاتهم في أجساد الأطفال والنساء والنيام.ــــــــmalanzi@alyaum.com