حسن السبع

حسن السبع

أستهل الكتابة هذا العام، يا سيد ادوارد مورفي، بالتعليق على أحد قوانينك.. فهي على غرابتها أكثر تماسا مع الحقيقة، وتعبيرا عن الواقع .. يطفو على سطح الذاكرة، الآن، القانون القائل: «أي بلد تدخل الديمقراطية اسمه ليس ديمقراطيا».. عندما قرأت قانونك هذا لأول مرة، حاولت أن أكون عمليا. أردت أن أتأكد بالتجربة إن كانت عبارتك تلك تعكس واقع الحال. أحضرت، عندئذ، خريطة العالم، واستعرضت بلدان العالم واحدا بعد الآخر. أردت أن أختبر ذلك القانون فوجدت أنه لم يجانب الصواب. فما أكثر بلدان العالم الثالث (عشر..) التي أضافت كلمة (ديمقراطية) إلى اسمها من قبيل الزينة. هنا، يا سيد مورفي، أسماء كثيرة وشعارات أكثر هي عبارة عن شكل من أشكال الديكور.. يضعها أناس يصنعون الكذبة ثم يصدقونها.. أو لعلهم قد أرادوا أن لا يحرموا الناس من كل شيء، فطبقوا المبدأ القائل: «من فاته اللحم فليشرب المرق».. مرقَ التسمية. أي من فاتته ممارسة الديمقراطية على أرض الواقع فليسعد بالتسمية على الأقل .. ثم أفاق الناس فلم يجدوا لحما ولا مرقا. لكنني، يا سيد مورفي، لست معنيا بشؤون السياسة، وإنما بشؤون اللغة. وإن كانت السياسة تدس أنفها في كل شؤون الحياة .. وكذلك هي اللغة، فالعالم لغة، ولا يمكن رؤية العالم بمعزل عنها.وبعيدا عن السياسة، يا سيد مورفي، فإن المفردات التي لا تعني ما تقول هي شكل من أشكال اللغو .. عن هذا اللغو، حيث يطغى الشكل فيغَيّب الجوهر، يقترح أحد الكتاب العرب أن نرفق بالأشجار، كي لا نخل بالتوازن البيئي. فقد لاحظ أن الأشجار تقطع ليتم تحويلها إلى ورق تراق عليه أطنان من الحبر، ليدون عليه المزيد من اللغو، أي الكلام الذي لا يعتد به، أو يعول عليه. كيف يحدث هذا ؟ يحدث هذا، كما يرى الشاعر إميل سيوران، عندما يتقدم النحو على المطلق، والنحوي على الحكيم. عندما تصبح الكلمات كريات لغوية ملونة أنيقة زاهية متدحرجة لكنها كعيون التماثيل الجميلة التي لا ترى .. كلمات نجري وراءها طويلا فلا نزداد إلا لهاثا، ثم نعود أدراجنا شأننا شأن القائل: «وقد طوَّفتُ في الآفاق حتى رضيتُ من الغنيمة بالإياب» .. تقدم النحو على المطلق، أو الحقيقة، مثل تقدم الشكل على الجوهر. هذه ليست مرافعة ضد الغموض، كما قد يظن .. وإنما ضد الفراغ. وقد قيل: «وحده الفراغ لا يوصف».. لأنه بلا سمات وبلا ملامح وبلا دلالات إنه (اللا شيء). يغريني، يا سيد مورفي، في هذا السياق حرص المتكلم على أن يخرج من دائرة الفراغ، وأن يسعى ما استطاع لكي يطابق الاسم المسمى، وهو ما عبر عنه إيتالو كالفينو بقوله: «تربط الكلمة بين الأثر المرئي والشيء اللا مرئي، الشيء الغائب، الشيء المرغوب أو المخيف، مثل جسر مؤقت وهش يمتد فوق هاوية». تصور، يا سيد مورفي، كيف يدخل كاتب إلى عالم الكتابة بهذا الإحساس من الرهبة والتوجس، ومن خشية السقوط. إنه يخوض مغامرة محفوفة بالمخاطر. ومكمن الخطورة هنا هو خيانة الحقيقة. أو تقدم النحو على المطلق، والنحوي على الحكيم. إنه، والحال هذه، يخشى أن يخطئ فيصبح مادة لتهكم قانونكم القائل: «لن يصغي إليك أحد حتى تقول شيئا خطأً»! وهذا قانون آخر يمكن أن نجد على أرض الواقع ما يعززه. في مشهدنا الثقافي، يا سيد مورفي، لو أنجزتَ عملا ثقافيا مميزا، فليس بالضرورة أن يترك صدى يليق به، وقد يكون عدد قرائك محدودا. لكن لو نشبت (خناقة ثقافية) حامية، زاخرة بالمهاترات والأخطاء، فسوف يتابعها آلاف القراء، وفي مقدمتهم النخب المثقفة، وستكون حديث المجالس، وستتسابق إلى نشرها المواقع الإلكترونية، وحسب المثل الشعبي «اللي ما يشتري يتفرج»! فنحن وكما يقول إخواننا المصريون: «عاوزين جنازة ونشبع فيها لطم».. أعود، يا سيد مورفي، إلى إيتالو كالفينو ذلك الذي يكتب وكأنه يسير على جسر «مؤقت وهش يمتد فوق هاوية» مما يدفعه إلى استخدام اللغة «بانتباه وفطنة وحذر» خشية السقوط .. وأتساءل: ترى ما نسبة أولئك الذين يعبرون جسر الكلمات بذلك الإحساس من الرهبة والتوجس خشية الوقوع في الخطأ ؟hsn_saba@hotmail.com